فلسطين أون لاين

هل تفاوضوا حقّاً في إسلام أباد؟

صحيحٌ أن ترامب مُضجرٌ في كثرة ثرثراته وتصريحاته، إلا أنه، في هذه وتلك، طريفٌ أحياناً، من قبيل قوله، فيما كان وفدُه في إسلام أباد يجادل وفداً إيرانياً، قبل نحو ساعتيْن من انتهاء مداولاتهم هناك، إنهم قد يتوصّلون إلى اتفاقٍ وقد لا يتوصّلون إلى اتفاق. لم يكن يمزَح، وهو الذي يعرف أن نائبه جي دي فانس ورجله ويتكوف وصهره كوشنر غادروا إلى العاصمة الباكستانية، مصحوبين بنحو ثلاثمائة من الخبراء والمعاونين والسكرتاريا ورجال الأمن (في طائرتين)، لأمرٍ آخر غير التفاوض، بل لإبلاغ الجانب الآخر، مباشرةً ومن خلال الوسطاء الباكستانيين، شروطاً ومطالب متعيّنة، ثم يعودون باتفاق إذا وافق الإيرانيون عليها، أو بدونه إذا رفضوها.

ولأن الأميركيين، في العموم، مغرمون بصناعة التشويق والإثارة (لذلك يعدّون صانعي السينما الأكثر كلفةً وبراعة)، جعلونا، تلك الليلة الأسبوع الماضي، نترقّب الجحيم الذي توعّد به ترامب إيران إذا لم تفعل ما طولبت به، ثم لم يحدُث شيءٌ منه. تالياً، أخذوا حواسّنا إلى إسلام أباد، عساهم المتفاوضون هناك يُبلغون العالم بشيءٍ من التفاؤل، أو بمقدارٍ من التفاهم، أو أقلّه بقسطٍ من تبريد التأزّم الحاد. ولم يكن أحدٌ يتوقّع أن يخرج قاليباف ودي فانس متصافحيْن باسميْن أمام العدسات، غير أن المنتظر، أو ما كان مرجّحاً في قراءاتٍ واسعة، أن تكون جلسات التفاوض، الطويلة والصعبة، في ضيافة رئاسة الحكومة الباكستانية، جدّية. وكان هذا سيصيرُ كافياً، وفي وُسعها تلك المداولاتُ لو اتّصفت بالجدّية وحدَها أن تشيع مزاجاً آخر، قد تنبني عليه آفاقٌ للوصول إلى تفاهمات الحد الأدنى في جلساتٍ أخرى، موصولةٍ بالساعات العشرين السبت الماضي المرهقة، أو تُستأنف لاحقاً.

ما أفضى به فانس عن عدم الوصول إلى أي اتفاق، بمعنى فشل المفاوضات في تعبيرٍ أكثر وضوحاً، ومغادرة الفريق الأميركي إسلام أباد، لم يدلّ على أن طهران رفضت ما تقدّمت به واشنطن من شروط (وهذا قول فانس نفسِه)، وإنما على أن إدارة ترامب باقيةٌ في المطرح نفسه، لا تريد أن تغادر منطق الشروط والمطالب التي على إيران أن تخضع لها من دون أخذٍ وردّ، فإذا كانت الأخيرة قد التزمت، في مسقط وجنيف سابقاً، بعدم امتلاك سلاحٍ نوويٍّ، فهذا غير كافٍ في منظوريْ ترامب ونتنياهو، بل النموذج القذّافي هو المطلوب، التخلّي التام عن أي مقدّرات وإمكانات ومواد نووية، من اليورانيوم وغيره (لستُ مختصاً بهذا كله)، وتسليمها إلى الولايات المتحدة.

وإيران ليست الدولة التي يرضى الحاكمون فيها بإذلالٍ كهذا، سيّما أن زعاماتٍ وقياداتٍ وكفاءاتٍ عسكريةً ومدنيةً وعلميةً خسرتها في اعتداءاتٍ وجرائم مشهودة اقترفها العدو الإسرائيلي بإسنادٍ أميركي.

أمّا وأن ملفّ مضيق هرمز من الملفّات العويصة التي استحكم الخلاف بشأنها في جولة إسلام أباد، الاستعراضية في وصفٍ جائزٍ لها، فهذا مفهوم، لكن تعنّت ترامب وصهاينة فريقه بشأن لبنان شاهدٌ جديدٌ على ارتهان المقيمين في البيت الأبيض لإرادة نتنياهو. وافق المذكورون على شمول بلد الأرز في وقف إطلاق النار الجاري، على ما صدق القول رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، غير أن رئيس حكومة الدولة اللعنة على البشرية (بوصف وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف محقّاً)، واسمُه نتنياهو، أفلح تالياً في إقناع صديقه ترامب بأن الترخيص له بارتكاب المذابح في لبنان لا يجوزُ أن يكون على صلةٍ بالحرب في بلاد فارس، فيردّ الأخير بالموافقة، وإنْ يطلب التخفيف ما أمكن من وتيرة هذه الأفعال.

صحيحٌ أنها نحو عشرين ساعة من المداولات في ثلاث جلسات، تخلّلتها استراحاتٌ، ولم يكن جائزاً لفانس وويتكوف وكوشنر، للاعتبارات الأمنية العتيقة، المبيت في إسلام أباد، إلا أن الناظر في الذي رشح من أنباءٍ أنها لم تكن جلسات تفاوض، وإنما مجادلاتٌ كلامية، ذهبت إلى تخوم التفاصيل في غير نقطة، لكنها في القضايا الجوهرية والمركزية بقيت حرثاً في بحر... ولئن من المبكّر أن يخوض واحدُنا في الممكنات التي ستنصرف إليها تطوّرات ما بعد هذا الفشل في إسلام أباد: هل سيجلس نتنياهو إلى ترامب، كما فعل عشية الحرب، وأقنعه بشنّها، وبنجاحها في إسقاط النظام في طهران! (التفاصيل في تحقيق "نيويورك تايمز")، أم سيعمَد الرئيس الأميركي إلى خياراتٍ انتحارية، أو أقلّ انتحارية، لكسر ثمرة الجوْز القاسية؟ سنسهر ليلة العشرين من إبريل/ نيسان الجاري، فيبلُغَنا الخبر اليقين.