فلسطين أون لاين

مرضى الفشل الكلوي... ناجون من الحرب يُبادون بصمت

...
المسنّة فاطمة البطنيجي (73 عامًا) في جلسة غسيل كلى بمجمع الشفاء الطبي بغزة
غزة/ أدهم الشريف:

في قاعةٍ واسعة داخل مجمع الشفاء، غرب مدينة غزة، يتداخل رنين الأجهزة الطبية مع أنين مرضى الفشل الكلوي. هناك، تستلقي المسنّة فاطمة البطنيجي (73 عامًا) بجسدٍ واهن على كرسي طبي قديم، لساعات طويلة، في جلسات غسيل منتظمة تُبقيها على قيد الحياة.

منذ أكثر من خمس سنوات، تُصارع المرض، لكن معاناتها تضاعفت مع اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أجبرها جيش الاحتلال على النزوح، وأفقدها القدرة على الوصول المنتظم إلى المستشفى.

طالع المزيد: الوحيدي: نحو 6 مرضى يُتوفون يوميا في غزة.. والقطاع الصحي يئن تحت وطأة الاحتياجات

تقول بصوت خافت لصحيفة "فلسطين": "الحرب جعلت حياتي، وحياة كل مريض فشل كلوي في غزة، كابوسًا لا ينتهي. مرضنا خطير، وإذا لم نحصل على الغسيل الكلوي فالموت مصيرنا".

9ab10131-dc2b-4a20-bd63-7cc554f4cc8f.jpg


كانت فاطمة تسكن في منزلها بحي الشجاعية شرقي المدينة، قبل أن يُدمّره جيش الاحتلال بالكامل، فلم تجد مع عائلتها سبيلًا سوى النزوح إلى وسط وجنوب القطاع. هناك، تقطعت بها السبل في ظل اكتظاظ المرضى، واستهداف المنظومة الصحية وتدميرها.

تضيف: "بالعافية كنت أحصل على جلسة غسيل واحدة في الأسبوع أثناء نزوحنا في رفح ودير البلح"، في إشارة إلى المخاطر الكبيرة التي واجهتها وكادت تودي بحياتها.

طالع المزيد: مرضى السرطان في غزة.. انتظار قاتل على أبواب العلاج

تدرك فاطمة أنها نجت بأعجوبة، بعدما تهددت حياتها بسبب عدم انتظام جلسات الغسيل خلال الحرب، في حين لم يحالف الحظ مئات المرضى الآخرين، الذين توفوا وهم بانتظار علاج لم تتمكن المنظومة الصحية من توفيره.

2a8c693c-abb4-4ce0-b63d-c7c867268834.jpg
 

ومع عودتها إلى حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، واستئناف مجمع الشفاء استقبال مرضى الفشل الكلوي، تمكنت من العودة إلى جلسات الغسيل، لكن المعاناة لم تنتهِ.

تقول وهي تتحسس الأنبوب الموصول بجهاز الغسيل: "أحصل الآن على ثلاث جلسات أسبوعيًا، لكن هذا لا يكفي. نقص الأدوية والمستهلكات ما يزال يهدد حياتنا، ويضعف قدرة المستشفيات على خدمتنا".

الأنبوب الشفاف الذي تمسك به ينقل دمها إلى جهاز الغسيل لتنقيته من السموم، قبل إعادته إلى جسدها، في عملية معقدة تستمر أربع ساعات متواصلة، ثلاث مرات أسبوعيًا.

طالع المزيد: أبو سلمية يُحذِّر من تدهور الوضع الصحي لمرضى الكلى في مجمع الشفاء الطبي

وهذا الحد الأدنى الذي تحاول الحفاظ عليه الشابة نرمين زُغرة (31 عامًا)، من سكان مخيم الشاطئ غرب غزة، والتي عاشت معاناة مضاعفة خلال الحرب وما بعدها.

تقول نرمين: "لولا جلسات الغسيل، لما بقي أي مريض فشل كلوي على قيد الحياة".

b63b376f-905d-492a-9194-7c75d1b9d034.jpg


أُصيبت نرمين بالفشل الكلوي عام 2015، وبعد محاولات علاج طويلة، أُقر لها الغسيل الكلوي بواقع ثلاث جلسات أسبوعيًا. لكن خلال الحرب، بالكاد استطاعت الحصول على جلستين، ما شكّل خطرًا مباشرًا على حياتها.

في قاعة الغسيل بمجمع الشفاء، ترقد لساعات طويلة، وملامح وجهها الشاحب وأنفاسها المتقطعة تعكس حجم المعاناة.

تضيف: "صحيح أن الغسيل ينقّي أجسادنا من السموم، لكن الحرب جعلت حياتنا كلها سمومًا".

وتتابع: "البيئة التي نعيش فيها لا تناسب مرضى الفشل الكلوي. نفتقد الغذاء المناسب والمياه الصالحة للشرب، وكل ذلك يجعل حياتنا مهددة".

وتتساءل بغضب: "ما ذنبنا نحن المرضى في كل ما يحدث؟ نحن نريد فقط أن نعيش".

وترى أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الكاملة عن معاناة المرضى، قائلة: "إما توفير جلسات غسيل منتظمة، أو فتح المعبر للسفر وتلقي العلاج".

ويواجه مرضى الفشل الكلوي واقعًا قاسيًا، رغم سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ يواصل الاحتلال حصاره للقطاع، ويمنع فتح معبر رفح أمام المرضى والجرحى، إلى جانب تقييد إدخال الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية.

060d70bc-82bc-4c84-acf8-378076bb0b1a.jpg


من جهته، يقول مدير وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، إن مرضى الفشل الكلوي "يعانون الأمرّين بسبب النقص الحاد في الأدوية والعلاجات"، رغم وقف إطلاق النار.

ويتهم الوحيدي الاحتلال بتعمد استهداف أقسام غسيل الكلى، وحرق وتدمير بعضها، كما حدث في مستشفى الرنتيسي ومجمع الشفاء وغيرهما.

وقبل الحرب، بلغ عدد مرضى الفشل الكلوي في غزة 1026 مريضًا، لكنه انخفض إلى 676 مريضًا فقط يتلقون العلاج حاليًا.

ويعني ذلك أن القطاع فقد أكثر من 50% من مرضى الفشل الكلوي خلال الحرب، نتيجة تدمير المنظومة الصحية وعدم القدرة على إنقاذهم، في حين لم يتمكن سوى 34 مريضًا من مغادرة القطاع للعلاج.

وأوضح الوحيدي أن أكثر من 450 مريضًا توفوا بسبب النزوح، ونقص الأدوية، وسوء التغذية، أو أثناء انتظارهم الإجلاء الطبي.

5ad51fe2-c048-4ccd-80d6-fb2805f28fe7.jpg
 

كما انخفض عدد أجهزة غسيل الكلى من 193 جهازًا قبل الحرب إلى 108 أجهزة فقط حاليًا.

وأكد أن حياة المرضى ما تزال مهددة، رغم انتظام البعض في ثلاث جلسات أسبوعيًا، بسبب المضاعفات الناتجة عن سوء التغذية وتراكم السموم في أجسادهم.

ولفت إلى أن النقص في أدوية مرضى الكلى وصل إلى 70%، فيما تجاوز العجز في المستهلكات الطبية 80%، ما يزيد من خطورة الوضع على هذه الفئة الهشة.

المصدر / فلسطين أون لاين