لم يكن سعدي عاشور (44 عامًا) يتخيل أن تنقلب حياته رأسًا على عقب، من ربّ أسرة يعيش استقرارًا بسيطًا في منزله بحي الزيتون شرق مدينة غزة، إلى أبٍ يواجه وحيدًا قسوة الحرب، ويصارع تفاصيل البقاء تحت خيمة بالكاد تقيه وأطفاله حرّ النهار وبرد الليل.
منذ أكثر من عام، تغيّر كل شيء؛ بعدما اضطر لإرسال زوجته وابنه الأكبر إلى مصر للعلاج، ليبقى هو في مواجهة واقعٍ يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
بصوتٍ مثقل بالتعب، يستعيد سعدي تفاصيل الأيام الأولى للحرب، حين بدأت الطائرات تقصف بلا توقف، وتحولت أحياء كاملة إلى ركام.
"كنا نظن أن الأمر لن يطول، لكن القصف اشتد، ولم يعد هناك مكان آمن"، يقول وهو يسترجع لحظات الرعب لـ "فلسطين أون لاين".
لم تمضِ أيام حتى أصبح حي الزيتون هدفًا مباشرًا، ما أجبره وعائلته على النزوح تحت وابل القصف. خرجوا على عجل، حاملين ما استطاعوا من متاع بسيط، تاركين خلفهم سنواتٍ من الذكريات. تنقلوا بين أماكن عدة بحثًا عن مأوى، لكن الأمان ظل وهمًا في مدينة لا تهدأ فيها الحرب.
"كلما ظننا أننا وجدنا مكانًا آمنًا، أُجبرنا على النزوح مجددًا"، يضيف.
ومع اشتداد العدوان، تلقى سعدي الضربة الأقسى حين دُمّر منزله بالكامل في حي الزيتون. لم تكن مجرد جدران سقطت، بل حياة كاملة انهارت.
"بيتي كان كل شيء… تعب العمر كله"، يقول بحزن، قبل أن يجد نفسه مضطرًا لنصب خيمة في منطقة قريبة، ليبدأ فصلًا جديدًا من المعاناة.
اليوم، يعيش سعدي مع أطفاله الأربعة في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة: لا مياه كافية، ولا غذاء منتظم، ولا كهرباء، ولا حتى خصوصية. كل تفصيلة يومية تحولت إلى معركة، ومع غياب زوجته، وجد نفسه يؤدي دور الأب والأم معًا.
تساعده ابنته الكبرى، طالبة الثانوية العامة، التي أنهت دراستها مؤخرًا بمعدل 85% رغم الظروف القاسية. لم يكن تحقيق هذا النجاح سهلًا في ظل النزوح وانقطاع الدراسة وصعوبة توفير المستلزمات.
يقول سعدي بفخر: "كانت تدرس على ضوء خافت وسط الخوف… ومع ذلك نجحت. هذا إنجاز كبير".
لكن المعاناة لا تقف عند حدود العيش داخل الخيمة، إذ يحيط بهم خطر دائم. تقع خيمتهم قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي منطقة تشهد بشكل شبه يومي عمليات قصف ونسف شرق حي الزيتون، ما يجعلهم في حالة خوف مستمر.
اقرأ أيضًا: بئر بلا تشغيل.. العطش يحاصر سكان حي الزيتون في غزة
"نسمع أصوات الدبابات والجرافات يوميًا، ونشاهد الانفجارات، وأحيانًا تصلنا الشظايا"، يقول سعدي، مشيرًا إلى أن الليل هو الأصعب، حيث تتضاعف المخاوف مع الظلام واستمرار القصف.
ولا يملك خيارًا آخر، فالنزوح مجددًا يعني الدخول في دوامة جديدة من المعاناة دون ضمان الأمان.
ورغم ذلك، يحاول التكيّف مع واقعه القاسي. إلى جانب خيمته، زرع مساحة صغيرة بالخضروات والورقيات، مثل البقدونس والجرجير وبعض المحاصيل الموسمية. قد تبدو خطوة بسيطة، لكنها بالنسبة له وسيلة للبقاء.
"الأسعار مرتفعة جدًا، ولا نستطيع شراء كل شيء، فبدأت أزرع لأوفر لأطفالي"، يوضح.
هذه الزراعة لم تكن فقط لتأمين الغذاء، بل محاولة لخلق قدرٍ من الاستقرار في حياة فقدت كل أشكال الاستقرار.
يعترف سعدي أن الحرب لم تسرق منزله فحسب، بل سرقت أيضًا شعوره بالأمان واستقراره النفسي. يعيش قلقًا دائمًا، خاصة على أطفاله الذين كبروا فجأة تحت وطأة الخوف.
ومع تفاقم أزمة الغذاء، بات تأمين وجبة واحدة يوميًا تحديًا حقيقيًا. يعتمد أحيانًا على المساعدات، لكنها لا تكفي، في ظل شح الموارد وتأخر وصولها.
ورغم كل ذلك، يتمسك سعدي بما يمنحه القوة: البقاء في أرضه.
"الوضع مخيف جدًا، لكن الصمود يعطيني دافعًا أكبر"، يقول بثبات. بالنسبة له، الرحيل ليس خيارًا، مهما كانت الكلفة.
في كل زاوية من خيمته حكاية صمود، وفي عيون أطفاله خوف وأمل متداخلان، وفي تفاصيل يومه معركة مستمرة من أجل البقاء. لم يعد يفكر في المستقبل البعيد، بل في يومه فقط: كيف يؤمّن الطعام؟ كيف يحمي أطفاله؟ وكيف يصمد ليوم آخر؟
اقرأ أيضًا: الخيام بين الركام… صمودٌ يومي في مخيم “الرواسي الشامخات” بحي الزيتون
قصة سعدي عاشور ليست استثناءً، بل مرآة لواقع آلاف العائلات في غزة، التي وجدت نفسها بلا منازل ولا مصادر دخل ولا أفق واضح. ومع ذلك، تظل حكاية إنسان قرر التمسك بالحياة، رغم كل ما يدفعه للاستسلام.
وبين الخوف الذي يحيط به من كل جانب، والأمل الذي يزرعه بيديه قرب خيمته، يواصل سعدي رحلته اليومية مع الصمود… رحلة لا يعرف متى تنتهي، لكنه يدرك أنه لا يملك خيارًا سوى الاستمرار.