قائمة الموقع

رسائل تهديد عبر الهواتف ومنشورات جوية… الاحتلال يصعّد حربه النفسية لاختراق مجتمع غزة

2026-04-13T09:09:00+03:00
طفل يقف بين ركام منزل قصفه الاحتلال في غزة
فلسطين أون لاين

في تصعيد جديد لأساليب الحرب النفسية، تلقّى عدد من المواطنين في قطاع غزة، ولا سيما في منطقة الشاطئ غرب المدينة، رسائل نصية عبر هواتفهم المحمولة، ترافقت مع إلقاء منشورات ورقية من الجو، تحمل تهديدات صريحة بعودة الحرب، ومحاولات استدراج للتواصل مع ضباط مخابرات الاحتلال.

ويعكس هذا التطور تحولًا في أدوات المواجهة، ومحاولة مكشوفة لاختراق الجبهة الداخلية الفلسطينية، عبر الضغط النفسي واستغلال الظروف المعيشية الصعبة.

الرسائل، التي اطّلعت عليها صحيفة "فلسطين"، لم تقتصر على التهديد، بل حملت لغة استفزازية وساخرة، إذ ورد في بعضها أن "ضابط المخابرات سيأتي ليشرب القهوة في الشاطئ". ولاحقًا، ألقت طائرات الاحتلال منشورات ورقية مرفقة بـ"مظاريف قهوة"، في محاولة واضحة لكسر الحاجز النفسي لدى المواطنين، وإضفاء طابع اعتيادي على علاقة مرفوضة وطنيًا وشعبيًا.

وفي شهادات لمواطنين تحدثوا لصحيفة "فلسطين"، قال محمد رجب (45 عامًا)، من سكان مخيم الشاطئ: "وصلتني رسالة تهديد مباشرة تطلب مني التواصل مع رقم محدد، لكنني حذفتها فورًا. نحن نعرف هذه الأساليب جيدًا، ولن نقع في هذا الفخ".

أما الشاب محمد جودة (27 عامًا)، فأوضح أنه تلقى رسالة مشابهة، مضيفًا: "كانت الرسالة مستفزة جدًا، خاصة الحديث عن شرب القهوة في الشاطئ. شعرت أنها محاولة للسخرية منا. لم أفكر للحظة في الرد، بل قمت بحظر الرقم".

وفي شهادة ثالثة، قال أبو أحمد عيسى (50 عامًا): "هذه ليست المرة الأولى. خلال الحرب وصلتنا رسائل مشابهة، لكنهم فشلوا سابقًا وسيفشلون اليوم. شعبنا واعٍ، ولن يسمح باختراقه".

قراءة أمنية

في قراءة تحليلية لهذه الظاهرة، يقول المختص في الشأن الأمني أحمد عبد الرحمن إن هذه الرسائل تعكس "حالة من الإفلاس الاستخباري لدى الاحتلال"، موضحًا أن "اللجوء إلى إرسال رسائل جماعية بهذا الشكل يدل على ضعف القدرة على جمع المعلومات بوسائل تقليدية".

ويضيف، لـ"فلسطين": "عندما يعجز الاحتلال عن اختراق البيئة الأمنية عبر أدواته المعتادة، يلجأ إلى أساليب بدائية قائمة على الترهيب والترغيب، في محاولة لاصطياد أفراد قد يستجيبون بدافع الخوف أو الحاجة".

المختص في الشأن الأمني، أحمد عبد الرحمن

من جهته، يؤكد الباحث الأمني أيمن إسماعيل أن هذه الرسائل "ليست جديدة في سياق العمل الاستخباري"، لكنها "تأخذ طابعًا أكثر وقاحة في هذه المرحلة"، مشيرًا إلى أن "ذكر تفاصيل مثل شرب القهوة في الشاطئ يحمل بُعدًا نفسيًا يهدف إلى كسر الحاجز الاجتماعي، وإظهار التواصل مع الاحتلال كأمر طبيعي".

ويجمع الباحثان على أن الهدف الأساسي من هذه الرسائل هو تجنيد عملاء لصالح أجهزة مخابرات الاحتلال، عبر استغلال الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة في القطاع.

ويقول إسماعيل: "الاحتلال يدرك حجم الضغوط التي يعانيها المواطنون، سواء من فقر أو حاجة للسفر أو للعلاج، فيحاول استغلال هذه الثغرات لتقديم إغراءات مقابل التعاون".

ويحذر من خطورة هذه الأساليب، موضحًا أن "الخطر لا يكمن فقط في استجابة بعض الأفراد، بل في ما قد يترتب عليها من اختراق للنسيج المجتمعي وزعزعة الثقة بين الناس، وهو هدف استراتيجي يسعى الاحتلال لتحقيقه".

وعي مجتمعي

رغم هذه المحاولات، تؤكد شهادات المواطنين أن الوعي المجتمعي لا يزال يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الأساليب.

ويرى مختصون أن هذه المحاولات ليست جديدة، إذ تكررت خلال الحروب السابقة على غزة، لكنها لم تحقق أهدافها.

ويؤكد أحمد عبد الرحمن أن "الاحتلال جرّب هذه الأساليب مرارًا، لكنها فشلت بسبب تماسك المجتمع الفلسطيني وارتفاع مستوى الوعي بخطورة التعاون معه".

ويضيف: "المجتمع الفلسطيني، رغم كل الضغوط، لا يزال متماسكًا، وهناك رفض عام لأي شكل من أشكال التواصل مع مخابرات الاحتلال، وهو ما يشكل عائقًا حقيقيًا أمام هذه المحاولات".

في المقابل، يحذر إسماعيل من الاستهانة بهذه الرسائل، قائلًا: "حتى لو كانت نسبة الاستجابة محدودة، فإن أي اختراق، ولو بسيط، قد يخلّف آثارًا خطيرة على المستويين الأمني والاجتماعي".

ويتابع: "الاحتلال لا يبحث فقط عن معلومات، بل يسعى لضرب الثقة داخل المجتمع وإثارة الشكوك بين أفراده، ما قد يؤدي إلى تفكك النسيج المجتمعي إذا لم يُواجه بوعي جماعي".

خلاصة المشهد

في المحصلة، تبدو هذه الرسائل جزءًا من حرب نفسية متواصلة، يحاول الاحتلال من خلالها تعويض إخفاقاته الاستخبارية عبر استهداف الجبهة الداخلية بأساليب مباشرة.

غير أن رد الفعل الشعبي، كما تعكسه الشهادات، يشير إلى وعي متزايد بخطورة هذه المحاولات، وتمسك بالقيم الوطنية الرافضة لأي شكل من أشكال التعاون.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى الرهان على تماسك المجتمع الفلسطيني وقدرته على إفشال هذه المحاولات، كما حدث في مرات سابقة، مؤكدًا أن النسيج المجتمعي، رغم كل التحديات، لا يزال عصيًّا على الاختراق.

اخبار ذات صلة