قائمة الموقع

بين التَّنصُّل الإسرائيليّ وادِّعاءات ملادينوف... الفقر والجوع يحاصران النَّاجين في غزَّة

2026-04-12T16:06:00+03:00
توضيحية عبر الذكاء الصناعي
فلسطين أون لاين

عند حافة خيمة مهترئة مُثبّتة في مركز إيواء مجاور لمكبٍّ للنفايات وسط مدينة غزة، كانت رنا أبو ليلة (23 عامًا) تُحدّق في صحنٍ بلاستيكي مملوء بالعدس حصلت عليه من "تكية" قريبة تُقدّم الطعام مجانًا للنازحين. وقبل أن تبدأ بتوزيع الوجبة، راودها الخوف مجددًا بعدما أدركت أنها لن تكفي أطفالها الأربعة المجوعين، أكبرهم براء (7 أعوام)، وأصغرهم نضال (عامان).

"هذا طعامنا لهذا اليوم، إن لم تُقدّمه التكية لنا، فلن نجد ما نأكله"، قالت رنا (23 عامًا) بصوت ممزوج بالحزن.

وأضافت لصحيفة "فلسطين" أمس: "أحاول تقسيم محتوى هذا الصحن على أطفالي، فهم لا يصبرون على الجوع.. وفي كثير من الأحيان لا أجد أنا وزوجي وجنيني الذي أحمله في بطني ما يسدّ رمقنا".

طالع المزيد: المكتب الحكومي يُفنِّد ادعاءات نيكولاي ملادينوف حول عدد الشاحنات التي دخلت غزة

قبل حرب الإبادة التي شنّها جيش الاحتلال في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وارتكب خلالها جرائم مروّعة على مدار أكثر من عامين، كانت رنا تعيش في منزل بسيط ببلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، لكنه كان يحتضن تفاصيل حياتها.


 

اليوم، تحوّل ذلك المنزل إلى ركام بعد أن دمّر جيش الاحتلال بلدتها بالقصف وعمليات النسف والتجريف، ولم يعد بإمكانها العودة إلى منطقة سكنها مع أطفالها وزوجها هاني أبو ليلة (25 عامًا)، الذي كان يعمل مزارعًا ويفتقد حاليًا أي مصدر للدخل.

تابعت حديثها بصوت مثقل بالهموم: "لم يعد لدينا بيت نعود إليه.. نعيش يومًا بيوم، ونخشى الغد".

الظروف التي تعيشها رنا وعائلتها النازحة في خيمة مهترئة وممزقة لا تقيهم تقلبات الطقس، وتهاجمها الجرذان ذات السلوك العدواني، تعكس أحوال مئات آلاف النازحين الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب، ولم يجدوا ملاذًا سوى مخيمات أُقيم عدد كبير منها بشكل عشوائي.


 

وعلاوة على أن هذه المخيمات تفتقد أدنى مقومات الحياة الآدمية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة تضييق الحصار على غزة، والحيلولة دون إدخال المساعدات الإغاثية بشكل كافٍ، ومستلزمات مناسبة للإيواء، وأهمها البيوت المتنقلة التي يتطلع أصحاب المنازل المدمرة للحصول عليها إلى حين بدء إعادة الإعمار.

وتتفاقم معاناة الناجين من حرب الإبادة، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، الذي إذ أوقف جزئيًا الإبادة الإسرائيلية الشاملة ضد سكان غزة، فإنه لم يُنهِ الحرب ولم يوقف جرائم جيش الاحتلال.

ورفض نازحون ادعاءات نيكولاي ملادينوف، المندوب السامي لغزة في مجلس السلام الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن إدخال الاحتلال أكثر من 600 شاحنة الخميس الماضي، وهو ما نفاه المكتب الإعلامي الحكومي، مبيّنًا أن ما سُمح بإدخاله فقط 207 شاحنات.

في زاوية أخرى من مركز الإيواء ذاته، يعيش النازح حمادة أكرم (39 عامًا) مع زوجته وأطفاله الخمسة تحت سقف خيمة هشّة، تهاجمها القوارض والحشرات، وتفوح في محيطها روائح كريهة تنبعث من مكبّ النفايات.

وكان حمادة، الذي عمل محاضرًا أكاديميًا في إحدى الكليات قبل الحرب على غزة، قد تنقّل بين أكثر من مركز إيواء بعدما دمّر جيش الاحتلال منزله في شمالي القطاع، إلى أن استقر به الحال في خيمة لا تتسع لعدد النازحين فيها.


قال حمادة لـ"فلسطين": إن "الحياة هنا لم تعد تحمل شيئًا من معالمها.. نعيش الفقر والجوع وتهاجمنا القوارض والحشرات، ولا نستطيع التحمل أكثر من ذلك".

يصف يومه بأنه "معركة صامتة"، تبدأ منذ ساعات الفجر للبحث عن دور في طابور المياه، ثم طابور الطعام، وتنتهي بمحاولة تأمين مكان آمن للنوم وسط الحشرات والآفات.

طالع المزيد: بردٌ ومطرٌ وخيامٌ منهكة.. يوميات النزوح في غزة تتجاوز حدود الاحتمال

"اعتقدنا أن وقف إطلاق النار سيسمح بدخول المساعدات، لكن ما نراه مخالف تمامًا، وما يدخل غزة من مساعدات ومستلزمات إيواء لا يكفي"، يضيف، مشيرًا إلى التناقض بين التصريحات الرسمية والواقع الذي يعيشه النازحون.

أما النازحة رفقة الدغل، التي استُشهد زوجها في قصف إسرائيلي إبّان الحرب، فتقضي يومها في تنظيم مساحة لطفلتها الصغيرة التي تعيش معها داخل خيمة مصنوعة من القماش الخفيف، مُثبّتة في مركز إيواء بمدينة غزة.

قالت رفقة (23 عامًا) لـ"فلسطين": "نعيش في مكان لا راحة فيه ولا مساحة للحياة، نعتمد على التكيات للحصول على طعامنا".

وتساءلت بحزن شديد: إلى متى سيبقى هذا الحال؟


 

وأضافت أيضًا: "أكثر ما يؤلمني ليس فقط فقدان المنزل، بل رحيل زوجي، وشعوري بالعجز أمام طفلتي.. لا أستطيع أن أعدها بشيء، حتى الطعام لم يعد مضمونًا".

فالجميع فقد شيئًا: إما بيتًا، أو مصدر رزق، أو شعورًا بالأمان. ومع استمرار الحصار، يجد النازحون أنفسهم عالقين في واقع ميؤوس منه، تختلط فيه الوعود الكاذبة بتنصل الاحتلال من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه دول عربية وإسلامية، ولاقى ترحيبًا دوليًا.

اخبار ذات صلة