قائمة الموقع

بعد قطع مخصَّصاته... محمَّد سالم يواجه الحرب والجوع بإعاقة وظروف قاسية

2026-04-26T19:50:00+03:00
في خيمةٍ مهترئة على أطراف أحد مخيمات النزوح في حي الزيتون جنوب مدينة غزة يجلس محمد سالم (35 عامًا) محاولًا ترتيب ما تبقى من يومه
فلسطين أون لاين

في خيمةٍ مهترئة على أطراف أحد مخيمات النزوح في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، يجلس محمد سالم (35 عامًا) محاولًا ترتيب ما تبقى من يومه بين تعب الجسد وقلق الروح، في حين يراقب طفله ذا التسعة أعوام وهو يلهو في مساحة ضيقة لا تشبه الطفولة بشيء.

محمد، الذي وُلد بمتلازمة داون، لم تكن حياته سهلة يومًا، لكنها ازدادت قسوة وتعقيدًا منذ اندلاع الحرب الأخيرة، التي جرّدته من كل ما كان يملك، ودفعته إلى حافة العجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة.

قبل الحرب، كان محمد يعتمد بشكل أساسي على مخصصات الشؤون الاجتماعية التي كانت تصرفها السلطة الفلسطينية. ورغم محدوديتها، فإنها شكّلت شريان حياة يضمن له حدًا أدنى من الاستقرار، ويوفّر لطفله احتياجاته الأساسية.

لكن مع توقف هذه المخصصات قبل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2023، وجد نفسه في مواجهة فراغ قاسٍ، بلا دخل ولا بديل.

اليوم، يعيش محمد على ما تجود به أيدي الخيرين، وعلى وجبات "التكيات" التي لا تصل بانتظام، ولا تكفي لسد رمق يوم كامل. وفي كثير من الأحيان، يضطر لتقاسم وجبة واحدة مع طفله، محاولًا إخفاء جوعه، وإقناعه بأن الغد سيكون أفضل، رغم أنه لا يملك ما يثبت ذلك.

لم تكن الحرب مجرد حدث عابر في حياته، بل سلسلة متواصلة من الخسارات. فقد منزله الذي كان يؤويه، وتحول إلى ركام، شأنه شأن آلاف المنازل في مدينة غزة.

ومنذ ذلك الحين، بدأ رحلة نزوح قاسية، تنقّل خلالها أكثر من 13 مرة بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، دون أن يجد استقرارًا حقيقيًا. وفي كل مرة كان يظن أنه وجد ملاذًا مؤقتًا، كانت أصوات القصف تعيده إلى نقطة الصفر، حاملاً طفله وما تبقى من مقتنياته القليلة.

هذا النزوح المتكرر لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل استنزافًا نفسيًا وجسديًا مستمرًا، خاصة لشخص يحتاج إلى رعاية خاصة واستقرار نسبي ودعم دائم. ومع كل انتقال، تتزايد احتياجاته، بينما تتراجع قدرته على التكيف.

ورغم أن شقيقه الأكبر يتحمل جزءًا من مسؤوليته، فإن ظروف الحرب جعلت الجميع في حالة عجز شبه تام. فالشقيق نفسه نازح، ويعاني من شح الموارد، ويكافح لتأمين احتياجات أسرته، ما يحدّ من قدرته على تقديم الدعم.

وهكذا، يجد محمد نفسه محاصرًا في دائرة ضيقة من الحاجة، لا يملك القدرة على الخروج منها. فاحتياجاته لا تقتصر على الطعام والمأوى، بل تمتد إلى الرعاية الصحية والنفسية، وبيئة مستقرة تليق بوضعه.

أما طفله، الذي لم يختر هذه الحياة، فيعيش واقعًا قاسيًا، محاطًا بالخوف والحرمان وعدم الاستقرار. لا مدرسة، ولا مساحة آمنة للعب، ولا حتى وجبات منتظمة. يكبر هذا الطفل في بيئة مثقلة بالقلق، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة أولوية، بدلًا من التعلم أو الحلم.

تفاقمت معاناة محمد مع استمرار انقطاع مخصصات الشؤون الاجتماعية، التي كانت تمثل له ولطفله مصدر دخله الوحيد تقريبًا. هذا الانقطاع، الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية، زاد من هشاشته، وحرمه من شبكة الأمان المحدودة التي كان يعتمد عليها.

ومع غياب أي بدائل حكومية أو مؤسسية، بات محمد واحدًا من آلاف الحالات التي سقطت في فجوة الإهمال.

اليوم، يحتاج محمد إلى دعم مالي ثابت يؤمّن له احتياجاته الأساسية، ومأوى أكثر استقرارًا من خيمة لا تحميه من حر الصيف ولا برد الشتاء، إضافة إلى فرصة عمل بسيطة تتناسب مع قدراته، تمنحه شعورًا بالكرامة والاستقلال.

في هذا الواقع يبقى محمد معلقًا بين الأمل واليأس، ينتظر بارقة دعم قد تغيّر مسار حياته، أو على الأقل تخفف من وطأة أيامه. وبينما يواصل مواجهة تفاصيل يومه بصمت، تبقى قصته شاهدًا حيًا على معاناة كثيرين في غزة، ممن لا صوت لهم ولا سند، سوى ما تبقى من صبر.

اخبار ذات صلة