"قريبًا سيتم الشراء والبيع بالبطاقات في مخيم المغازي".. بهذه العبارة بدأ الترويج لمبادرة محلية تهدف إلى تجاوز أزمة "الفكة" في قطاع غزة، وسط وعود بنشر تفاصيل وآليات الاستخدام لاحقًا، وتحديد أسماء المحال المشاركة.
وبحسب ما يُتداول، تأتي هذه الخطوة بالتعاون بين مبادرة "المغازي عيلة واحدة" و"معرض أبو عطية للاتصالات"، إلى جانب عدد من المحال التجارية والمخابز والمطاعم، في محاولة لتطبيق نظام "الكوبونات" كبديل مؤقت للعملات المعدنية.
وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذه المنشورات، لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على بدء التطبيق الفعلي بشكل رسمي خلال الأيام الأخيرة، ما يضع المبادرة في إطار التجهيز أو التجريب، بانتظار اتضاح آليات التنفيذ على أرض الواقع.
وتأتي هذه المبادرة في سياق محاولات التكيّف مع أزمة السيولة الخانقة في قطاع غزة، حيث لم تعد مشكلة نقص "الفكة" تفصيلًا يوميًا عابرًا، بل تحولت إلى أزمة تمسّ أساس التعاملات اليومية، من شراء الخبز إلى دفع أجرة المواصلات، ما دفع المواطنين والتجار إلى البحث عن بدائل مؤقتة لسد هذا العجز.
حلول بديلة
يقول المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إن أزمة "الفكة" تظهر بشكل أساسي في قطاعي المواصلات والخبز، ما دفع بعض الجهات إلى محاولة ابتكار حلول بديلة، من بينها إصدار بطاقات أو كوبونات مالية صغيرة يجري تداولها بين المواطنين والسائقين.
ويوضح أبو قمر، لـ "فلسطين أون لاين"، أن هذه البطاقات تُباع بقيم محددة، ويمكن استرداد قيمتها لاحقًا عبر الدفع الإلكتروني أو من الجهة التي أصدرتها، مضيفًا: "الفكرة من حيث المبدأ جيدة، لأنها تحاول تجاوز أزمة حقيقية، لكن الإشكالية تكمن في الجهة التي تصدر هذه البطاقات".

المختص الاقتصادي، أحمد أبو قمر
ويشير أبو قمر إلى أن إصدار مثل هذه الأدوات المالية يجب أن يكون محصورًا بجهات رسمية مرخّصة، مثل البنوك أو المؤسسات المالية الخاضعة لسلطة النقد، لضمان الموثوقية ومنع التلاعب.
ويحذر من أن انتشار هذه المبادرات بشكل فردي، كأن تقوم محال تجارية بإصدار كوبونات خاصة بها، قد يفتح الباب أمام الاحتيال، قائلاً: "لا يمكن لأي جهة غير رسمية إصدار ما يشبه النقود، لأن هذه العملية تحتاج إلى مرجعية مالية موثوقة".
حلول رقمية
ويؤكد أبو قمر أن من بين الحلول الممكنة أيضًا تعزيز الدفع الإلكتروني، من خلال تحسين البنية التحتية الرقمية، وتوفير نقاط إنترنت في الأماكن العامة، إلى جانب رفع سقوف التحويل عبر المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية.
اقرأ أيضًا: أزمة الفكه في غزَّة... دعوات لقسائم شرائيَّة ونقود بلاستيكيَّة كـ "حلّ بديل"
ويضيف أن السائقين يواجهون صعوبات بسبب تحديد سقوف التحويلات اليومية، ما يعيق استخدام هذه الوسائل بشكل فعّال.
ويرى أن الحل الجذري يتمثل في تدخل سلطة النقد والبنوك لإدخال كميات كافية من العملات المعدنية إلى السوق، مؤكدًا أن الحلول الحالية تبقى مؤقتة.
ويقول: "ما يجري الآن هو إدارة أزمة، وليس حلًا مستدامًا، والحل الحقيقي يبدأ بإنهاء أزمة الفكة وتعزيز المعروض النقدي".
قرار سياسي
ويلفت أبو قمر إلى غياب دور واضح للمؤسسات الدولية، معتبرًا أن حل الأزمة يتطلب تحركًا من الجهات الرسمية، مشيرًا إلى أن استمرارها بهذا الشكل يعكس أبعادًا تتجاوز الجانب الاقتصادي.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي محمود قشاش أن فكرة الكوبونات أو البطاقات الصغيرة قد تنجح جزئيًا إذا طُبّقت ضمن نطاق جغرافي محدد، مثل خطوط مواصلات معينة أو مناطق تجارية محدودة.
اقرأ أيضًا: فقدان أرصدة وتفاقم لأزمة السيولة.. الغزِّيون يطالبون "النقد" بحلول عملية
ويقول قشاش، لـ"فلسطين أون لاين"، إن هذه الفكرة طُرحت خلال الفترة الماضية كحل مؤقت، خاصة في ظل صعوبة توفر "الفكة"، موضحًا أنها تشبه "أدوات دفع مساندة" وليست بديلًا حقيقيًا للنقود.
ويحذر قشاش من أن تعميم هذه الفكرة على مستوى القطاع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها مخاطر التزوير وضعف الرقابة، مشيرًا إلى أن نجاحها يتطلب إشراف جهة رسمية.
ويضيف: "يمكن تطبيقها ضمن نطاق ضيق وتحت رقابة، لكن تعميمها صعب، لأنها قد تتحول إلى باب للتزوير أو الاستغلال".
حلول جزئية
ويشير إلى إمكانية استخدام هذه الكوبونات في قطاعات محددة، مثل المواصلات أو داخل مؤسسات كبيرة كالمستشفيات أو المجمعات التجارية، حيث يسهل ضبطها ومتابعتها.
كما يلفت إلى أن بعض الحلول قد تعتمد على تقنيات لا تحتاج إلى الإنترنت، ما قد يساعد في تجاوز جزء من المشكلة.
ويجمع الخبيران على أن أزمة "الفكة" في غزة تجاوزت كونها أزمة نقدية، لتصبح مؤشرًا على اختلال أوسع في بنية السوق، خاصة مع تحول "الفكة" إلى سلعة تُباع وتُشترى.
ويؤكدان أن الحل يكمن في تدخل منظم من الجهات الرسمية، إلى جانب تطوير أدوات الدفع الإلكتروني، بما يضمن استقرار التعاملات اليومية واستعادة ثقة المواطنين في النظام المالي.

