قبل نحو عام، كان وائل الحافي (41 عامًا) يفترش الأرض إلى جانب طفله علي (14 عامًا)، محاولين اقتناص لحظات من الراحة وسط واقع لا يعرف الاستقرار. لكن ما بين الساعة الواحدة والثانية بعد منتصف الليل، تغيّر كل شيء.
يستعيد وائل تفاصيل تلك اللحظات قائلًا لصحيفة "فلسطين": "لم أسمع صوت الانفجار… استيقظت فجأة لأجد نفسي تحت الركام، عاجزًا عن الحركة، والغبار يملأ صدري وجسدي محاصر بالكامل".
في تلك اللحظات، لم يكن خوفه على نفسه هو المسيطر، بل سؤال واحد ظل يطارده: أين علي؟
يقول: "حاولت أن أنادي: يا عالم، يا ناس… كبّرت وهلّلت، لكن لم يسمعني أحد"، مضيفًا أن صوته كان محبوسًا كما جسده، قبل أن يتمكن بصعوبة من إخراج يده من بين الركام، ملوّحًا بها في العتمة كآخر خيط يربطه بالحياة.
مرت لحظات بدت وكأنها دهر، حتى اقتربت أضواء الهواتف المحمولة. "عندما رأيت الكشافات تقترب، شعرت بالأمان لأول مرة"، يقول وائل، مشيرًا إلى أن المسعفين بدأوا برفع الحجارة واحدًا تلو الآخر حتى تمكنوا من الوصول إليه.
ورغم حالته الحرجة، كانت كلماته الأولى واضحة: "أنقذوا ابني… أخرجوه قبلي". لم يكن يعلم إن كان علي حيًا أم لا، لكنه تمسّك بالأمل كما يتمسك الغريق بقشة.
نُقل وائل إلى مستشفى المعمداني، حيث بدأت رحلة أخرى من الألم. فقد تعرّض لإصابات متعددة بشظايا اخترقت جسده، إضافة إلى غبار تسلل إلى رئتيه، محوّلًا التنفس إلى معركة يومية.
يقول: "نظّفوا الرئتين، لكنني أصبحت أعاني من أزمة صدرية… أختنق مع الرياح والغبار، والبلغم لا يفارق صدري".
وبحسب الأطباء، تُركت بعض الشظايا في جسده، خاصة في قدميه، على أمل أن يتخلص منها الجسم مع الوقت. إلا أن الألم تحوّل إلى رفيق دائم، يلازمه ليلًا ونهارًا. ويضيف: "بعد شهر من الإصابة، لم أعد أنام ليلًا… الألم لا يُحتمل، ولا أستطيع المشي لمسافات طويلة".
أما علي، فكانت إصابته أكثر دقة وخطورة؛ إذ اخترقت شظية رأسه واقتربت بشكل خطير من مركز الدماغ، ما استدعى إجراء عملية جراحية معقدة، فُتح خلالها رأسه من الجبين حتى مؤخرة الرأس، وخيط بـ55 غرزة.
يقول وائل، وعيناه تمتلئان بمزيج من الامتنان والخوف: "الحمد لله، ربنا لطف… لكن ابني لم يعد كما كان".
لم تعد كرة القدم جزءًا من يوميات علي، ولا السباحة، ولا حتى ضحكته المعتادة. ويوضح والده: "كل فترة يشتكي… مرة من عينيه، وأخرى من نظره، وأحيانًا من أذنيه".
لكن الأثر الأعمق كان نفسيًا وذهنيًا؛ إذ لم يتمكن علي، الذي كان من المتفوقين دراسيًا، من العودة إلى مقاعد الدراسة حتى اليوم. يقول والده بصوت خافت: "هذا الأمر أثّر عليه كثيرًا… نفسيته تعبت".
وفي محاولة لاحتواء ما تبقى من طفولة ابنه، بدأ وائل بإرساله إلى المسجد، قائلًا: "أريده أن يتعلم القرآن… أعرف أن لكلام الله أثرًا عليه، وقد يساعده على الهدوء وتقوية ذاكرته".
ورغم كل ما مرّ به، لا يزال وائل يتمسك بالأمل، منتظرًا اليوم الذي يُسمح فيه لعلي بالسفر لتلقي العلاج في الخارج.
ويختم حديثه: "أتمنى أن يعود طفلًا طبيعيًا… يعود لمدرسته وحياته"، قبل أن يرفع صوته قليلًا، موجّهًا رسالة تتجاوز قصته الشخصية: "من حق كل جريح، مهما كانت إصابته، أن يسافر للعلاج… الوضع الصحي هنا صعب جدًا، والناس بحاجة إلى فرصة للتعافي".

