حذّر رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، ديمتري دلياني، من تداعيات استمرار إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل استهدافًا مباشرًا لهوية القدس الجامعة، وانتهاكًا خطيرًا لحرية العبادة، في ظل تصاعد سياسات تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديني والديمغرافي في المدينة.
وقال دلياني: "نحن أمام واقع خطير وغير مسبوق في القدس، حيث يتواصل إغلاق المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة لليوم الحادي والأربعين على التوالي"، مؤكدًا أن ذلك يشكّل انتهاكًا واضحًا لحرية العبادة واستهدافًا مباشرًا لهوية المدينة.
طالع المزيد: بعد 40 يومًا من إغلاقه.. الآلاف يؤدُّون صلاة الفجر في المسجد الأقصى
وأضاف، لصحيفة "فلسطين": "نحن كفلسطينيين مسيحيين ننظر إلى المسجد الأقصى بعين القداسة الوطنية، فهو لا يمثل فقط مكانًا مقدسًا لإخوتنا المسلمين، بل يشكّل رمزًا وطنيًا جامعًا، تمامًا كما تمثل كنيسة القيامة هذا المعنى في وعينا الجمعي، وبالتالي فإن استهداف أحد هذين المعلمين هو استهداف مباشر للهوية الوطنية الفلسطينية بأكملها".
سياسة ممنهجة
وأوضح دلياني أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة بهذا الشكل القسري يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض الحضور الديني الفلسطيني في القدس، وحرمان المواطنين من الوصول إلى أماكن عبادتهم، في انتهاك صارخ للحقوق الأساسية، وعلى رأسها حرية العبادة.
وأشار إلى أن البلدة القديمة في القدس تعيش حالة اختناق حقيقية نتيجة الحصار والإغلاق المشدد، في امتداد لسياسات الإفقار المتعمد التي تصاعدت منذ أكتوبر 2023، مؤكدًا أن سلطات الاحتلال شددت القيود على مداخل البلدة القديمة، وقيّدت وصول الفلسطينيين من مختلف مناطق الضفة الغربية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة التجارية.

وأضاف أن الأسواق التاريخية في القدس تضررت بشكل كبير، نتيجة تعطّل تدفق البضائع وتراجع الحركة الشرائية، إلى جانب فرض غرامات باهظة وضرائب تعسفية على التجار، ما دفع العديد منهم إلى إغلاق محالهم تحت وطأة الخسائر المتراكمة.
وأكد أن ما يجري ليس مجرد إجراءات أمنية كما يُروّج، بل هو جزء من سياسة تضييق اقتصادي ممنهج، يترافق مع توسع استيطاني، بهدف خلق بيئة طاردة للفلسطينيين من مدينتهم، وفرض واقع يعزز الهيمنة الاستعمارية داخل قلب القدس.
مساعي الهيمنة
وشدد دلياني على أن تقييد دخول المصلين إلى المسجد الأقصى ليس إجراءً معزولًا، بل يأتي ضمن سياسة إسرائيلية متكاملة لإعادة تشكيل الوضع التاريخي القائم في القدس، بما يخدم مخططات السيطرة على المقدسات، مشيرًا إلى أن هذه السياسة بدأت منذ عام 1967، لكنها تصاعدت بشكل خطير في المرحلة الأخيرة.
وأوضح أن سلطات الاحتلال فرضت حواجز عسكرية مشددة حول البلدة القديمة، ومنعت عشرات الآلاف من الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد الأقصى، في الوقت الذي سمحت فيه باقتحامات منظمة للمستوطنين بوتيرة أعلى من السنوات السابقة، ما يعكس ازدواجية واضحة في التعامل مع المقدسات.
وتابع: "نحن كمسيحيين فلسطينيين لسنا بعيدين عن هذه السياسات، فقد فُرضت قيود على احتفالات سبت النور وأحد الشعانين وعيد القيامة، ومُنع آلاف المؤمنين من الوصول إلى كنيسة القيامة، في استهداف مباشر للحضور المسيحي الفلسطيني في القدس".
وأكد أن منع المصلين من الوصول إلى أماكن عبادتهم إجراء غير قانوني، يُستخدم كأداة لإضعاف الوضع التاريخي القائم وفرض واقع جديد يقوم على التحكم الكامل بالمقدسات وتقييد الوجود الفلسطيني فيها.
طالع المزيد: مستوطنون يدنّسون المسجد الأقصى وسط تمديد غير مسبوق لساعات الاقتحام
وحول الطروحات المتعلقة بإعادة فتح مشروط للمسجد الأقصى، قال دلياني: "إن الحديث عن فتح المسجد مقابل السماح باقتحامات المستوطنين مرفوض جملةً وتفصيلًا، لأنه يكرّس واقعًا يخدم مشاريع التهويد"، مضيفًا أن ما يُفرض على المسجد الأقصى ينسحب على كنيسة القيامة، خاصة في ظل وجود مشاريع استيطانية في محيطها.
وشدد على أن أي تغيير في الوضع القائم في المسجد الأقصى سيؤثر على مجمل منظومة المقدسات في القدس، وهو ما يُعد مساسًا بجوهر الهوية الدينية والوطنية للمدينة.
حالة طوارئ غطاء للتهويد
وفي ختام حديثه، أشار دلياني إلى أن ما تسميه سلطات الاحتلال "حالة طوارئ" يُستخدم كغطاء لفرض سياسات تهويدية، عبر تقييد حركة الفلسطينيين ومنعهم من ممارسة حقوقهم، مقابل تسهيل اقتحامات المستوطنين المنظمة.
وأضاف أن الإجراءات الأخيرة طالت أيضًا كنيسة القيامة، التي أُغلقت لنحو أربعين يومًا، في أطول فترة إغلاق منذ عام 1967، حيث مُنعت مواكب "الجمعة العظيمة" و"أحد الشعانين" واحتفالات "عيد القيامة" وفق التقويم الغربي، كما مُنع آلاف المسيحيين الفلسطينيين من الوصول إلى القدس للمشاركة في هذه الشعائر، في استهداف واضح للحضور الديني المسيحي، ولطبيعة القدس كمدينة جامعة لكل أبنائها.
من جهتها، قالت مؤسسة القدس الدولية إن الاحتلال يتجه للسماح بدخول 150 مستوطنًا إلى المسجد الأقصى في كل فوج، مقابل إدخال العدد ذاته من المصلين المسلمين، بقرار من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، معتبرة ذلك محاولة لتجميل الواقع.
وأوضحت المؤسسة، في بيان لها، أن هذه الآلية تمثل تعميقًا لتقسيم المسجد الأقصى، ومسعى لفرض ما يُسمى "الحق المتساوي" بين الطرفين، إلى جانب استغلال الحرب لطرح فكرة تحويله إلى مكان عبادة مشترك بين اليهود والمسلمين، تمهيدًا لتهويده بالكامل.

