عند رمال الشاطئ، غرب مدينة غزة، حيث يختلط هدير البحر بأزيز الرصاص، أمسك الشاب يزن النَّحال بلوح ركوب الأمواج، وبدأ يركض بخطوات سريعة.
بينما كانت الأمواج تتكسر أمامه بهدوءٍ مخادع، وهو يتجهز لبدء مغامرة جديدة، كان الأفق مفتوحًا على احتمالات أقل هدوءًا، حيث تستبيح الزوارق الحربية الإسرائيلية عرض البحر، ولا تغيب عن المشهد.
رغم ذلك، لم ينتظر يزن كثيرًا قبل أن ينطلق إلى البحر، وعندما لاحت موجة كبيرة في الأفق القريب، دفع بلوحه إلى المياه الباردة، وألقى بجسده فوقه، وبدأ يجدف نحوها، ليطفو فوقها في مشهد يجمع بين المهارة والتحدي.

يزن، البالغ (20 عامًا)، وهو طالب جامعي يدرس تخصص التجارة باللغة الإنجليزية في جامعة الأزهر، لم تمنعه ظروف حرب الإبادة على قطاع غزة، وضيق الإمكانات جرّاء الحصار الإسرائيلي المطبق، من التمسك بهوايته المفضلة؛ ركوب الأمواج.
وفي وقت ينشغل فيه أقرانه بتدبير سبل العيش وسط تداعيات الحرب وآثارها، أو البحث عن فرص عمل نادرة، يجد يزن في البحر مساحةً يبحث فيها عن الحرية، حتى وإن كانت مهددة ومحفوفة بالمخاطر.
"البحر بالنسبة لي عالم كبير، وركوب الأمواج ليس رياضةً فقط، بل هواية لا أستطيع التخلي عنها"، قال يزن وهو يثبت اللوح تحت ذراعه.

وأضاف لصحيفة "فلسطين"، بنبرة تحدٍّ: "عندما أكون فوق الموج، أنسى للحظات كل شيء من حولي، حتى لو كان ذلك لدقائق قليلة". هذه الدقائق، كما يصفها يزن، كفيلة بأن تمنحه طاقة للاستمرار، رغم إدراكه الدائم بأن الخطر قد يُنغِّص متعته في أي وقت.
ومع كل موجة تعيده إلى نقطة البداية، يندفع مجددًا إلى البحر، يتتبع حركة الأمواج، محاولًا اقتناص واحدة مرتفعة منها، وهو مدرك أن صوت الرصاص قد يقطع انسجامه، إذ يتحول بحر غزة في كثير من الأحيان إلى مساحة تهديد، جرّاء ملاحقة زوارق الاحتلال الصيادين، وإطلاق الرصاص والقذائف بين الحين والآخر باتجاه الشاطئ.
يروي أنه خلال ممارسته ركوب الأمواج بجوار ميناء الصيادين غربًا، سمع طنينًا خافتًا قادمًا من السماء، وعندما التفت إليه، رأى مُسيَّرات حربية إسرائيلية من نوع "كواد كابتر" تُحلّق على علوٍ منخفض، وقد أطلقت نيرانها بشكل عشوائي قبل أن تغادر الأجواء.

وأشار إلى الأفق قائلًا: "كنت أطفو فوق الأمواج عندما سمعت صوت الرصاص، صحيح أنني خرجت مسرعًا من البحر، لكنني عدت في اليوم التالي.. لا أستطيع التوقف، فالبحر كل شيء في حياتي".
يزن، الذي يعيش مع عائلته في منزل نهشه القصف الإسرائيلي عند أطراف مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، لم يكن يملك لوحًا احترافيًا عندما بدأ تعلم ركوب الأمواج وهو بعمر (12 عامًا). كل ما كان لديه قطعة مستطيلة مصنوعة من "الفلين"، يستخدمها كلما سنحت له الفرصة للنزول إلى الشاطئ للعب مع أصدقائه، والطفو فوق المياه.
لكن بمرور الوقت، بدا يزن أكثر تعلّقًا بالأمواج، بعدما أدرك أن ركوبها رياضة تُمارس في العديد من الدول حول العالم، فبدأ بمتابعة مقاطع الفيديو عبر الإنترنت لإتقانها.

ورغم الصعوبات التي واجهها، إلا أنه استطاع شراء لوح مخصص لركوب الأمواج بأكثر من 600 دولار أمريكي، قبل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة. لا يبدو لوحه القديم احترافيًا، وقد أمضى وقتًا طويلًا في إصلاحه بوسائل بسيطة، وتظهر آثار التشققات واضحة على سطحه، لكنه ما يزال صالحًا بالنسبة له.
"لا يوجد بديل"، قال مبتسمًا، وهو يمرر يده على حواف اللوح المتآكلة.
وبينما يجذب يزن كاميرات هواتف المصطافين عند شاطئ البحر، مع كل موجة يطفو فوقها، ينظر أصدقاؤه في الجامعة إلى هوايته بطرق مختلفة؛ بعضهم يراه شغفًا يستحق الإعجاب، وآخرون يعتبرونه مخاطرة غير ضرورية.
أما عائلته، فتعيش حالة دائمة من القلق، كما يقول، لكنها لا تمنعه. يضيف: "يخافون عليّ، لكنهم يعرفون أن هذا الشيء الوحيد الذي يجعلني أشعر بالسعادة".
ورغم أن هوايته لم تكن سهلة المنال بالنسبة له، لاسيما أن بحر غزة تحول إلى مساحة محكومة بالخطر، تتداخل فيها المتعة مع القلق، يبدو يزن متعلقًا بها، حتى إنه يطمح للسفر إلى بلدان تتشكل في بحارها أمواج عاتية، يُقدَّر ارتفاعها بعشرات الأمتار، ليطفو بحلمه فوقها.
"أشاهد الفيديوهات على موقع يوتيوب وغيره من منصات التواصل الاجتماعي، أتابع حركات راكبي الأمواج الشاهقة.. لا أعرف إن كنت سأقدر على فعل ذلك أم لا، لكنني متأكد أنه سيأتي اليوم الذي أحاول فيه"، تابع حديثه بنبرة حملت الكثير من الطموح والإصرار.
وفي كل مغامرة يخوضها يزن فوق الأمواج، يرافقه صديقه عبد الكريم الأستاذ (19 عامًا)، وهو طالب في نظم المعلومات الإدارية والتجارية بجامعة الأقصى. عند الأمواج المتكسرة يجلس فوق لوح قديم أيضًا، ويدلي نصف جسده في المياه الباردة، وبتوتر كبير يراقب يزن على بعد مئات الأمتار.

وعندما تحمله الأمواج إلى حافة الشاطئ، يسأله صديقه عبد الكريم بشيء من القلق: هل ستعيد الكرة؟ هنا يبدو يزن مصرًا على اقتناص موجة جديدة بحثًا عن متعة مهددة.
في قطاع غزة، حيث تغيب الأندية المتخصصة والبنية التحتية الرياضية، تبدو تجربة يزن فردية تمامًا، في بحرٍ كل شيء فيه مهدد بالرصاص والقذائف التي لم تطاول بر غزة وتدمره إبّان الحرب فحسب، بل شملت المتنفس الوحيد لأكثر من مليوني مواطن، والذي تحول بفعل انتهاكات الاحتلال إلى بيئة غير آمنة.
قبل الغروب، حيث يحين موعد مغادرة الشاطئ المكتظ بخيام النازحين، يعود يزن إلى البحر مرة أخرى، يندفع بقوة نحو موجة جديدة، يحاول الوقوف، يتمايل قليلًا، ثم يستقر لثوانٍ فوق سطحها. في تلك اللحظة يختفي كل شيء لديه، لا زوارق ولا رصاص؛ فقط شاب ولوح قديم، وموجة تحمل حلمًا صغيرًا يحاول أن يبقى طافيًا.

