عندما قبلت حكومة الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار، كان شرطها الأهم إطلاق سراح ما تبقى من الأسرى الإسرائيليين لدى فصائل المقاومة في غزة، أحياءً وأمواتًا. وما إن أصبحوا في قبضتها بعد عامين من الإبادة، سارعت (إسرائيل) إلى اختلاق ذرائع جديدة، في موقفٍ عدَّه محللان سياسيان يهدف إلى إطالة أمد احتلالها للقطاع الساحلي.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ارتكب جيش الاحتلال انتهاكات متعددة أسفرت عن استشهاد المئات وإصابة الآلاف، حتى بات الاتفاق، المبرم بوساطة عربية ورعاية أمريكية ودولية، مثقلاً بالخروقات الإسرائيلية، فلا يكاد يمر يوم دون تسجيل انتهاك جديد.
وأكد محللان سياسيان، لـ"فلسطين أون لاين"، أن حكومة الاحتلال اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو تسعى إلى فرض وقائع جديدة، إما عبر التفاوض أو من خلال التصعيد العسكري المتقطع في قطاع غزة، بهدف تثبيت وجودها في مناطق سيطرة جيش الاحتلال.
وخلال أشهر وقف إطلاق النار المثقلة بالخروقات، لم يكتفِ جيش الاحتلال بتنفيذ انتهاكاته عبر جنوده النظاميين، بل استعان أيضًا بمليشيات مسلحة تتمركز في مناطق سيطرته على طول الجهتين الشمالية والشرقية للقطاع، وتنفذ مهام توكلها أجهزة "الشاباك" لعناصر عميلة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ تعمّد جيش الاحتلال إزاحة مكبات ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" غربًا، لزيادة مساحة سيطرته، حتى بلغت نحو 55% من إجمالي مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عليان الهندي أن هذه التطورات تؤكد أن الحرب لم تنتهِ، حتى وإن توقفت الإبادة بمفهومها الشامل بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
الكاتب والمحلل السياسي، عليان الهندي
وحذّر الهندي من استمرار عمليات القتل والاغتيال، والتمدد في المناطق المحتلة، بهدف فرض وقائع تتيح للاحتلال لاحقًا إطالة وجوده العسكري، والاحتفاظ بالمناطق التي يسيطر عليها.
وأضاف أن الاحتلال يتخذ من وجود حركة حماس وفصائل المقاومة، وملف نزع السلاح، ذرائع جديدة لتبرير بقائه العسكري في غزة ومواصلة انتهاكاته.
ويرجّح الهندي أن يسعى الاحتلال إلى تعزيز وجوده، خاصة في حال تعثّر المفاوضات الجارية بوساطة عربية وتدخل دولي مباشر من مجلس السلام الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما في ملف نزع سلاح غزة.
وقال: "تعمل (إسرائيل) على تنفيذ مخطط دأبت عليه منذ بدايات حرب الإبادة، وتسعى إلى تهيئة الظروف المناسبة له"، متوقعًا أن تتعرض حكومة نتنياهو لضغوط دولية في حال استمرار تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار ومراحل تنفيذه.
اقرأ أيضًا: اتفاق وقف النار بغزة... بين التعطيل الإسرائيلي وتآكل الضمانات الدولية
من جانبها، وصفت الكاتبة والمحللة السياسية نور عودة اتفاق وقف إطلاق النار بأنه "جائر"، مؤكدة أن الاحتلال لم تكن لديه نية لاحترامه منذ اليوم الأول لسريانه.
وأضافت عودة: "الظروف على الأرض، والمشهد الدولي في ظل الحرب على إيران، وانشغال العالم بقضايا مصيرية، من بينها الاقتصاد العالمي وقدرته على تحمّل تبعات الحرب، تجعل استفراد الاحتلال بغزة وتضييق الخناق على الناجين من الإبادة أمرًا سهلًا".
وأوضحت أن الاحتلال يستغل هذه الظروف لتحويل قطاع غزة إلى ساحة لتنفيذ مخططاته، بما يؤكد أن الحرب الإسرائيلية ضد مكونات الشعب الفلسطيني لم تتوقف، ليس في غزة فحسب، بل في القدس والضفة الغربية المحتلتين.
اقرأ أيضًا: "حماس": استمرار القتل في غزة يكشف سعي الاحتلال لنسف اتفاق وقف إطلاق النَّار
وتابعت: "(إسرائيل) تسعى إلى إحكام سيطرتها الأمنية على القطاع عبر وجودها العسكري، مع استمرار الضغط الإنساني، استغلالًا لهشاشة اتفاق وقف إطلاق النار وتداعياته، لدفع أكبر عدد ممكن من السكان إلى مغادرة غزة".
وأردفت أن كيان الاحتلال "يهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية سياسيًا وماديًا. فالوضع في غزة صعب واستثنائي، لكنه لا ينفصل عما يجري في الضفة الغربية والقدس".
وترى عودة أن المشهد في الأراضي المحتلة يتطلب موقفًا فلسطينيًا موحدًا، ورؤية استراتيجية شاملة لإنهاء الاحتلال.