فلسطين أون لاين

تؤكد فشل سياسة الاحتلال في محاولات إعادة هيكلتها

تقرير عودة "التائبين" واقتتال العصابات المتعاونة... تفكك داخلي متسارع وانهيار بنيوي وشيك

...
صورة تعبيرية
غزة/ يحيى اليعقوبي:
  • أبو زبيدة: المناعة المجتمعية أفشلت محاولات الاحتلال لتحويل العصابات إلى بديل أمني
  • العكلوك: العشائر نسّقت مع الأجهزة الأمنية لقبول توبة العائدين، ما أسهم في تفككها

لا يمكن تفسير حالة الاقتتال الداخلي والتصفيات في صفوف العصابات العميلة المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي إلا بوصفها حالة تفكك داخلي واضحة، تؤكد فشل سياسة الاحتلال في محاولات إعادة هيكلتها، بالتزامن مع استمرار عودة "التائبين" من تلك العصابات إلى أحضان عائلاتهم وتسوية ملفاتهم.

ويمثل دور العائلات والحاضنة الشعبية منطلقًا مهمًا ومحوريًا في مسار تفكك هذه العصابات، إذ شكّلت العشائر حلقة وصل بين الأجهزة الأمنية و"التائبين"، ما أفضى في نهاية المطاف إلى العفو عنهم، وشجّع آخرين على سلوك المسار ذاته.

طالع المزيد: ضربة مزدوجة.. تحقيق "الجزيرة" يكشف أساليب "الشاباك" وهشاشة "المليشيات"

وفي محاولة مضادة لترهيب عناصر العصابات ومنعهم من "التوبة"، أقدم أحد أفرادها، المدعو أكرم جرغون، على إعدام نصر الله إبراهيم عابدين، الذي بادر، بالتعاون مع عائلته، إلى التوبة والعودة إلى شعبه، وفق بيان نشرته قوة "رادع" الأمنية. وأكد البيان أن عددًا من عناصر العصابات العميلة استجابوا لمساعي التوبة وتسوية أوضاعهم ضمن جهود وطنية ومجتمعية لإعادة المغرر بهم إلى حضن الوطن.

وقال البيان، الذي اطّلعت عليه صحيفة "فلسطين"، إن "جرغون ارتكب الجريمة في محاولة يائسة لإرهاب من ينوون التوبة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات داخل العصابة العميلة، أسفرت عن مقتل أحمد خميس زعرب وإصابة آخرين".

ولم تكن حالة الاقتتال الداخلي الأخيرة حدثًا جديدًا، بل طالت رأس مشروع "العصابات" في قطاع غزة، ياسر أبو شباب، الذي قُتل نتيجة خلافات داخلية لم تُعرف تفاصيلها الكاملة. وقدّر كثيرون أن المشروع تلقى ضربة قاصمة منذ تلك اللحظة، رغم محاولات الاحتلال دعم هذه العصابات وتوفير غطاء جوي لها.

وإلى جانب البراءة العائلية، والرفض الشعبي، والعزلة التي تعيشها هذه العصابات، ساهمت الضربات الأمنية المتلاحقة، واعتقال أفرادها وخلاياها عبر كمائن محكمة، والاشتباك المستمر معها، في تسريع تفككها، ما دفع العديد من عناصرها إلى التفكير بخيار "التوبة" قبل فوات الأوان.

طالع المزيد:  الشقيقان سائد وفهمي قدوم... مواجهة ملحمية مع عملاء الاحتلال

كما مثّلت المواجهة التي خاضها الشقيقان سائد وفهمي قدوم، شرق غزة مؤخرًا، محطة بارزة في هذا السياق، حين اشتبكا مع عناصر من العصابات العميلة بعد اقتحامهم مركز إيواء لعائلتهما في منطقة "الصناعة". وأفادت شهادات شهود عيان بأن سائد أُصيب بطلق ناري في بطنه، كما أُصيبت طفلته في يدها، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مع شقيقه فهمي، الذي تمكن من قتل نحو ثمانية من أفراد العصابة.

موقف صارم

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، د. علاء الدين العكلوك، أن الموقف العشائري كان صارمًا وواضحًا في رفض العصابات، مع إعلان البراءة العشائرية من المنخرطين فيها، وفتح باب التوبة أمام "المغرر بهم" للعودة إلى عائلاتهم.

وقال العكلوك لـ"فلسطين": إن "العشائر نسّقت مع الأجهزة الأمنية لقبول توبة العائدين، ما أسهم في تفكيك ملفاتهم، وحل قضاياهم، وعودتهم إلى أسرهم"، لافتًا إلى أنه قبل شهر عاد 14 فردًا من العصابات من شرق خان يونس.

88-1755635914.webp

رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، د. علاء الدين العكلوك

وأشار إلى حجم الالتفاف العشائري والشعبي حول عائلة قدوم، التي استشهد ابناها سائد وفهمي خلال مقاومتهما للعصابات، مؤكدًا تقديم الدعم والمؤازرة للعائلة، وتجديد رفض المجتمع لعناصر هذه العصابات. وأضاف أن جهود العشائر تتركز على إصلاح ما يحاول الاحتلال إفساده في النسيج المجتمعي.

وقارن العكلوك بين الالتفاف الشعبي حول أي عائلة يُستشهد أحد أبنائها على يد العصابات، حيث يُفتح بيت عزاء له ويُدفن في مقابر المسلمين ويحظى بتقدير المجتمع، وبين حالة عناصر العصابات الذين يُقتلون دون أن يحظوا بتعاطف أو حضور مجتمعي.

من جهته، أكد الخبير الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة أننا أمام مشهد واضح من الانهيار البنيوي والتفكك الداخلي للعصابات العميلة، مشيرًا إلى أن ما يجري ليس مجرد خلافات عابرة، بل اقتتال داخلي وتصفيات، كما في حادثة مقتل نصر عابدين الذي حاول التوبة والعودة إلى عائلته.

وأوضح لـ"فلسطين" أن ذلك يعكس أزمة ثقة عميقة، وغياب أي روابط تنظيمية أو عقائدية تجمع هذه المجموعات، التي تقوم أساسًا على المصالح الفردية والارتباط الخارجي.

ويرى أبو زبيدة، أنه بمجرد اهتزاز التمويل أو تصاعد الضغط الأمني، تبدأ هذه العصابات بالتفكك من الداخل، كما يحدث حاليًا، مشيرًا إلى ما أوردته صحيفة "هآرتس" حول وجود خلافات حادة ومحاولات إسرائيلية فاشلة لإعادة هيكلة هذه المجموعات.

وأضاف أن التجارب التاريخية تثبت فشل مثل هذه المشاريع في مواجهة الحاضنة الشعبية المقاومة المتجذرة.

رامي أبو زبيدة

الخبير الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة

وفيما يتعلق بدور العائلات، شدد أبو زبيدة على أنه عنصر حاسم ومفصلي في مواجهة هذه الظاهرة، إذ لا يمكن لهذه العصابات أن تنشأ أو تستمر في بيئة رافضة اجتماعيًا وعشائريًا.

وقال: إن "المجتمع الفلسطيني بات يشكّل خط الدفاع الأول، ليس فقط من خلال المواجهة المباشرة، بل أيضًا عبر سحب الغطاء الاجتماعي عن المتورطين، وهو ما يتجلى في بيانات البراءة اليومية".

طالع المزيد: عشائر وقبائل غزة تجدد رفضها لمليشيات العملاء وتدين جرائمها

وختم بالتأكيد على أن الاحتلال حاول بناء هذه العصابات كبديل أمني، لكنه فشل في إدراك أن المجتمع الفلسطيني يمتلك مناعة داخلية عالية، تتجسد في وعيه والتفافه حول الخيار الوطني الرافض للاحتلال والعصابات، وهو ما ظهر جليًا في الضربات الأمنية المتواصلة، والبيئة الشعبية الرافضة لوجود هذه المجموعات.

المصدر / فلسطين أون لاين