في غزة، حيث تفرض الحرب إيقاعها القاسي على تفاصيل الحياة، يحاول الشاب أحمد الترك أن يحافظ على مساحة خاصة به، ينجو بها من ثقل الواقع، متمسكًا بشغفه القديم بكرة القدم وتحليل مبارياتها، على الرغم مما تعرض له من خسارات فادحة وانقطاع قاسٍ في مسيرته المهنية والمعيشية.
الترك (29 عامًا)، وهو محامٍ مزاول نظاميًا وشرعيًا، فقد أكثر من 30 فردًا من عائلته، بينهم عمه وخاله، كما دُمّرت شقته التي كان قد أتم تجهيزها قبل الحرب، إلى جانب مكتبه الخاص بالمحاماة، واضطر إلى النزوح أكثر من ست مرات داخل مدينة غزة.
ورغم هذا كله، لم يتخلَّ عن موهبته، بل أعاد إحياء قناته على منصة "تيك توك" تحت عنوان "الكورة مع أحمد"، وهي قناة متخصصة في تحليل مباريات كرة القدم، لا سيما الدوريين الإسباني والإنجليزي، إلى جانب البطولات الدولية.
بداية الشغف
يعود شغف الترك بكرة القدم إلى طفولته المبكرة، حين كان في السادسة من عمره، مع متابعته لبطولة كأس آسيا 2004 وكأس أمم أوروبا في العام ذاته. ومنذ ذلك الحين، بدأ اهتمامه يتطور تدريجيًا، من مجرد مشاهد إلى متابع دقيق للتفاصيل الفنية داخل الملعب.
ويقول لصحيفة "فلسطين" إن تجربته في التحليل لم تأتِ عبر دراسة أكاديمية أو تدريب رسمي، بل من خلال المتابعة المستمرة والتجربة الذاتية، إلى جانب دعم محيطه الذي لاحظ امتلاكه موهبة في قراءة المباريات. ومع الوقت، طوّر قدرته على تحليل أساليب اللعب وفهم التحولات التكتيكية، وربط الأحداث داخل المباراة لتفسير قرارات المدربين.
انتكاسة الحرب
لكن هذا المسار لم يخلُ من التحديات، إذ تعرض لانتكاسة كبيرة مع اندلاع الحرب على غزة، التي دمّرت استقراره الشخصي والمهني، وأفقدته القدرة على متابعة المباريات أو الانخراط في التحليل، في ظل انشغاله بتأمين أساسيات الحياة.
ويشير الترك إلى أن الحرب لم تترك له مساحة ذهنية أو نفسية للاستمرار، مضيفًا أنه حاول العودة أكثر من مرة، خاصة خلال فترات التهدئة، إلا أن محاولاته لم تكتمل، سواء بسبب الضغوط المحيطة أو فقدانه هاتفه الذي كان يحتوي على أرشيفه من التحليلات، ما شكّل خسارة إضافية.
كما حالت ظروفه المادية دون شراء جهاز بديل، ما زاد من صعوبة استعادة نشاطه، إلى جانب غياب أدوات الإنتاج الأساسية مثل الكاميرا والإضاءة ومكان مناسب للتصوير.
وأمام هذه التحديات، اضطر إلى تغيير أسلوبه في تقديم المحتوى، معتمدًا على نشر تحليلات مبسطة بصريًا عبر الصور على "تيك توك"، بدلًا من الفيديوهات الكاملة.
طموح لا ينكسر
ورغم كل ما مرّ به، لا يخفي الترك إصراره على الاستمرار، مؤكدًا أن هدفه لم يتغير، وهو الوصول إلى مستوى احترافي عالمي في مجال التحليل الرياضي.
ويرى أن الحرب، رغم قسوتها، لم تُنهِ طموحه، بل زادته تمسكًا بفكرة إثبات ذاته من داخل غزة، التي يعتبرها بيئة غنية بالطاقات غير المستثمرة.
ويشير إلى أنه تواصل مع عدد من الجهات الإعلامية المحلية والعربية بحثًا عن فرصة، لكنه لم يتلقَّ سوى وعود لم تُترجم إلى خطوات عملية، وهو ما يعكس التحديات التي يواجهها الشباب في دخول المجال الإعلامي من بيئات صعبة.
على المستوى المهني، يطمح الترك للعمل ضمن قنوات رياضية كبرى مثل "بي إن سبورتس" و"السعودية الرياضية" و"أبو ظبي الرياضية"، معتبرًا أن الوصول إلى هذه المنصات يمثل خطوة طبيعية نحو الاحتراف والانتشار.
أما كرويًا، فيُعرف عنه تشجيعه لنادي أرسنال الإنجليزي وريال مدريد الإسباني، إلى جانب متابعته لمنتخب فرنسا، مع تفضيل واضح للدوري الإنجليزي الذي يراه الأكثر قوة وإثارة، مقابل الدوري الإسباني الذي يتميز، برأيه، بالعمق التكتيكي.
في غزة، حيث تتقاطع الأحلام مع الركام، يواصل أحمد الترك رحلته، مؤمنًا بأن الشغف يمكن أن ينجو، حتى في أكثر الأماكن قسوة… وأن الحلم، مهما تأخر، لا يسقط.

