لم تكن بدلة الزفاف التي ارتداها الشاب عبد الله عزات العمصي (27 عامًا) مجرد ثياب لمناسبة اجتماعية، بل بدت كإشارة وداع أخيرة لدنيا فانية، واستعدادًا لزفاف من نوع آخر، على أرض غزة التي لا تتوقف عن إهداء خيرة شبابها للسماء.
عبد الله، المجاهد في صفوف كتائب القسام، ترجل فارسًا مقبلًا غير مدبر، تاركًا خلفه سيرة عطرة ومقعدًا فارغًا في بيت الزوجية الذي لم يسكنه قط.
في منزل العائلة المثقل بالصبر، تجلس الحاجة صبحة العمصي "أم العز" (66 عامًا)، تستذكر تفاصيل الأيام الأخيرة لابنها الأصغر ومدلل قلبها. تقول لصحيفة "فلسطين": "كانت روحه حلوة، خفيف الظل، بارًّا بي وبوالده إلى أبعد الحدود. كنا نعد الأيام لنزفه عريسًا، جهزنا له كل شيء، استأجرنا البيت وأثثناه بالكامل، حتى أغراض المطبخ كانت قد اكتملت قبل أيام من ارتقائه".
تتوقف الحاجة للحظة، تمرر يدها على ذكريات يومه الأخير، وتتابع بابتسامة ممزوجة بالفقد: "يوم استشهاده، لبس بدلة الزفاف، وقف أمامي وقال لي بسعادة غامرة: (كيف يما مشخص؟).. كان سعيدًا جدًا، وكأنه يعلم أن موعده مع الجنان قد اقترب".
لم يكن طريق الشهادة غريبًا على عائلة العمصي، فقد التحق عبد الله بشقيقه الأكبر "ثائر"، الذي ارتقى هو الآخر خلال حرب الإبادة على غزة.
وتضيف والدته: "كان من رواد المساجد، يكره الغيبة والنميمة، وكان يتمنى الشهادة دومًا. لم أتفاجأ بنبأ ارتقائه، فقد كان مقبلًا غير مدبر، وهذه هي طريق الأحرار المعبدة بالدماء.. فلسطين أغلى من الأبناء، وكلنا فداها".
أما شقيقته أم عبيدة (35 عامًا)، فتروي لصحيفة "فلسطين" جانبًا آخر من شخصيته الوجدانية الممتلئة بالحب والإيمان، قائلة: "كان صوته يتردد في أرجاء البيت وهو ينشد (فرش التراب يضمني)، كان يعشق هذه الأنشودة، وكأنها تخاطب وجدانه وتعده لحياة البرزخ. لم تكن مجرد كلمات يرددها، بل كان حاله دائمًا معلقًا بالآخرة".
وتستذكر أم عبيدة حرصه الشديد على تفقد عائلته رغم ثقل المهام الملقاة على عاتقه كمجاهد في الميدان، قائلة: "لم يقطع يومًا صلة الرحم، كان يزورني وباقي إخوتي باستمرار، يجلس معنا ويمازح أطفالنا، ويحرص على أن يكون حاضرًا في أدق تفاصيل حياتنا. كان وجوده يبعث الطمأنينة والبهجة، واليوم نفقده أخًا حنونًا وسندًا لا يُعوّض، لكن عزاءنا أنه نال ما تمنى، ورحل مخلفًا وراءه إرثًا من المحبة والوفاء لرحمه".
لم تقتصر بصمات عبد الله على ميدان القتال، بل كان السند الحقيقي لأبناء شقيقه الشهيد ثائر.
تروي مريم (34 عامًا)، زوجة شقيقه الشهيد، لـ"فلسطين" بمرارة الفقد: "بعد استشهاد ثائر، لم يتردد عبد الله لحظة في تحمل مسؤولية أطفال أخيه. كان يكرّس وقته وجهده لخدمتهم وتأمين احتياجاتهم، ويعاملهم بحب وحنان وكأنه والدهم تمامًا، ولم يشعرهم يومًا بمرارة اليتم أو النقص في غياب أبيهم".
وتضيف مريم: "كان يحرص على متابعة دراستهم ومشاركتهم ألعابهم، ويوجههم دومًا نحو المساجد وحفظ القرآن، مقتفيًا أثر شقيقه ثائر. كان يقول لنا دائمًا: (أنا معكم ولن أترككم)، وبالفعل أوفى بوعده حتى النفس الأخير، فكان نعم الأخ ونعم العوض. وبفقده اليوم، يُفتح جرح اليتم من جديد في قلوب هؤلاء الصغار، الذين فقدوا والدهم ثم عمهم الذي كان لهم بمثابة الأب الروحي".
وعلى مقربة من حلم الزفاف الذي لم يكتمل، خيّم الصمت على خطيبة الشهيد، التي كان يفترض أن تشاركه تفاصيل أيامه القادمة. ورغم محاولات مراسل "صحيفة فلسطين" التواصل معها لنقل مشاعرها، إلا أنها اعتذرت عن الحديث، مؤكدة عبر مقربين منها أنها تمر بظروف غاية في الصعوبة إثر تلقيها خبر ارتقاء شريك عمرها. ففي مقام هذا الوجع، يصبح الكلام عبئًا ثقيلًا، ويغدو الصمت اللغة الوحيدة القادرة على التعبير عن صدمة العروس، التي تحول فستانها الأبيض في مخيلتها إلى كفن لرفيق دربها، مكتفية بالدعاء له بالقبول في عليين.
رحل عبد الله العمصي، تاركًا خلفه بيتًا مؤثثًا ينتظر ساكنيه، وبدلة زفاف خُضّبت بمسك الشهادة، ليؤكد من جديد أن عرسان غزة يختارون البدلة التي تليق بلقاء الله ولقاء الأحبة الذين سبقوهم، تاركين وصاياهم في قلوب من أحبوهم، ومسطرين بدمائهم فصلًا جديدًا من فصول البطولة والفداء.

