أكتب هذه الكلمات بصفتي عربية عراقية مسلمة، أنتمي إلى فضاءٍ حضاري يرى في الإنسان قيمةً عليا لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ظرف، وأحمل في وعيي تاريخًا طويلًا من التجارب التي علّمتنا أن الظلم، مهما تغيّرت صوره، يبقى مرفوضًا، وأن العدالة لا تتجزأ ولا تُفصَّل على مقاس طرف دون آخر.
من هنا، فإن قرار إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن أن يُقرأ بوصفه إجراءً قانونيًا عابرًا، بل هو لحظة كاشفة لاختلال ميزان العدالة، واختبار حقيقي لضمير العالم.
في ثقافتنا الإسلامية، لم يكن الأسير يومًا مجرّد رقم أو عبء أمني، بل كان دائمًا موضع عناية وضبط أخلاقي. النصوص المؤسسة في تراثنا شدّدت على الإحسان إلى الأسير، وعلى أن التعامل معه يعكس مستوى الرقي الإنساني قبل أي اعتبار آخر. لذلك، فإن تحويل الأسير إلى هدف لعقوبة قصوى، ضمن سياقات تفتقر إلى التوازن والضمانات الكاملة، يضعنا أمام إشكال عميق يتجاوز السياسة إلى جوهر القيم.
وبصفتي عراقية، لا أستطيع فصل هذا الموقف عن ذاكرة قريبة عشنا فيها معنى الفقد، ورأينا كيف يمكن للقرارات المتسرعة أو المسيسة أن تترك آثارًا عميقة في المجتمعات. لقد علّمتنا التجربة العراقية أن العدالة، حين تغيب أو تُشوَّه، لا تقتصر نتائجها على طرف واحد، بل تمتد لتصيب الاستقرار برمّته. من هنا، فإن أي قرار يمسّ حق الحياة، خاصة في بيئات نزاع معقّدة، يحتاج إلى أعلى درجات التدقيق والإنصاف، لا إلى تسريع الإجراءات أو تقليص الضمانات.
أما عربيًا، فإن القضية الفلسطينيةليست شأنًا بعيدًا، بل هي جزء من الوعي الجمعي، ومن منظومة القيم التي تربّينا عليها. إن الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين لا يعني الانحياز الأعمى، بل يعني الوقوف مع مبدأ أن الإنسان لا يُحاكم بهويته، ولا يُدان ضمن نظام يفتقر إلى تكافؤ المعايير.
العدالة الحقيقية لا تُبنى على الانتقائية، بل على الشمول، وإلا تحوّلت إلى أداة تعمّق الصراع بدل أن تُخفّفه.
إن أخطر ما في مثل هذا القرار أنه يفتح الباب أمام تطبيع فكرة العقوبات القصوى في سياقات غير متكافئة، ويمنح غطاءً قانونيًا لممارسات قد تُفسَّر لاحقًا بوصفه سابقة تُقوّض المعايير الدولية. فالقانون، حين يفقد حياده، لا يعود قانونًا بالمعنى الحقيقي، بل يتحوّل إلى انعكاس لموازين القوة. وهنا، يكمن الخطر الأكبر: أن تُستبدل العدالة بالقوة، وأن يصبح الإنسان الحلقة الأضعف في معادلة يفترض أن تحميه.
لكن الموقف، كما أراه، لا ينبغي أن يقف عند حدود الرفض العاطفي، بل يجب أن يتحوّل إلى فعلٍ واعٍ ومسؤول. نحن، كعرب ومسلمين، نمتلك أدوات متعددة يمكن من خلالها التعبير عن هذا الرفض بصورة حضارية ومؤثرة. يبدأ ذلك من الكلمة الصادقة التي تشرح وتُبيّن، ويمتد إلى دعم الجهود الحقوقية التي تسعى إلى مساءلة مثل هذه القرارات، وصولًا إلى الحضور الفاعل في المنابر الدولية التي تُعنى بحقوق الإنسان. إن الدفاع عن القيم لا يكون بالشعارات فقط، بل بالعمل المنهجي الذي يراكم الأثر ويُحدث الفرق.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية بناء وعي مجتمعي متماسك، يدرك أن القضايا الكبرى لا تُختزل في ردود فعل آنية، بل تحتاج إلى نفس طويل ورؤية استراتيجية. إن الجيل الجديد، الذي يعيش في عالم رقمي سريع التغيّر، يحتاج إلى أدوات فهم عميقة تُمكّنه من قراءة مثل هذه الأحداث ضمن سياقاتها، بعيدًا عن التبسيط أو التهويل. وهنا، تقع مسؤولية كبيرة على المؤسسات التعليمية والإعلامية في تقديم خطاب متوازن يجمع بين العاطفة والوعي.
في الختام، أجد نفسي أعود إلى نقطة البداية: الإنسان هو الغاية، وكل ما عداه وسيلة. حين يُهدَّد هذا المبدأ، يصبح الصمت نوعًا من التواطؤ، ويصبح الكلام واجبًا. إن موقفي، بصفتي عربية عراقية مسلمة، ينطلق من إيمان راسخ بأن العدالة لا يمكن أن تُجزَّأ، وأن الدفاع عن حق الأسير في الحياة هو دفاع عن إنسانيتنا جميعًا. وبين حدّ القرار وصوت الضمير، يبقى الخيار واضحًا: أن نقف مع ما يحفظ الكرامة، ويصون الحياة، ويعيد للعدالة معناها الحقيقي.

