للشهر الخامس تواليًا من سريان اتفاق وقف حرب الإبادة، تتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة وتهدد بالوقف الكامل لقدرة الجهات الإغاثية على الاستجابة الإنسانية في ظل الحصار المفروض على القطاع وتواصل انتهاكات الاحتلال قتلا وتشريدًا ونسفا.
ويمثل وقف الحرب عنوانًا لمرحلة لم تشهد تغيرا على صعيد تحسين الوضع الإنساني في غزة، خصوصا فيما يتعلق بالإمدادات اللازمة لعمل الإسعاف وجهاز الدفاع المدني وغيرهما من المؤسسات المختصة بالتعامل مع الحالات الإنسانية، في وقت يمنع الاحتلال إدخال الوقود وقطع الغيار والزيوت لمركباتها ومعداتها المتهالكة بفعل الحرب والحصار المزمن.
طالع المزيد: تحذيراتٌ من كارثة إنسانية بغزَّة جراء منع الاحتلال إدخال الزيوت وقطع غيار المولدات
وعن تفاصيل الأزمة، يقول مدير دائرة النقل والمواصلات في وزارة الصحة رأفت حمدونة: نعاني من نقص شديد في قطع غيار السيارات والزيوت والبطاريات والإطارات للمركبات العاملة سواء في النقل الإداري أو الإسعاف، مضيفا أن أي مركبة إسعاف تتعطل تخرج عن الخدمة نتيجة لذلك.
ويوضح حمدونة لصحيفة "فلسطين" أن 87 مركبة إسعاف تابعة لوزارة الصحة كانت تعمل قبل حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، خرجت منها عن الخدمة 35 مركبة لحاجتها لقطع غيار وإصلاح وزيوت، و12 مركبة دمرها الاحتلال كليا خلال الحرب.
ويشير إلى أن بقية المركبات تحتاج لصيانة دورية لفلاتر الهواء والزيوت والسولار، لكن لا توجد إمكانات، ما يعرقل الاستجابة الإنسانية ويستغرق وقتا أكبر للوصول إلى الضحايا أو المرضى.
وبهذا المعنى خرجت معظم سيارات الإسعاف التابعة لوزارة الصحة عن الخدمة، حسبما يقول حمدونة، مشيرًا إلى أن السيارات العاملة قطعت مسافات طويلة وهي من طرز قديمة ومتهالكة.
ويناشد المسؤول في "الصحة" توفير قطع غيار السيارات لاسيما الإطارات والبطاريات عاجلا وسريعا، وإدخال مركبات إسعاف جديدة بدلا من تلك التي دمرت في الحرب.
15% من قدرات الدفاع المدني
وتطال الأزمة أيضًا جهاز الدفاع المدني الذي استهدف الاحتلال كوادره ومعداته ومركباته على مدار الحرب. ويقول المتحدث باسم الجهاز محمود بصل: إن الوقود يعد أساسيا في التدخلات الإنسانية بالنسبة لطواقمنا لتلبية نداءات الاستغاثة من المواطنين.
ويضيف بصل لـ"فلسطين" أنه يقع على عاتق طواقم الدفاع المدني أن تنطلق بالمركبة المناسبة للحدث سواء إنقاذ أو إطفاء أو إسعاف، لكن أي مركبة لا تستطيع التحرك دون وقود، مؤكدا أن الجهاز يعمل بـ15% فقط من قدرته على صعيد التدخلات الإنسانية وإذا توقف الوقود بشكل كامل في قطاع غزة ستتوقف الخدمة أيضًا.
ويحذر من أنه سيكون لذلك انعكاسات خطيرة جدا على المواطنين وعلى الاستجابة الإنسانية، منبها إلى أن الأزمة تتعلق كذلك بقطع الغيار لمركبات الإطفاء والإنقاذ والإسعاف المتهالكة، فهناك مركبات عمرها أكثر من 30 عاما وعملت في كل الحرب ويفترض أنها خرجت من الخدمة لكنها بقيت تعمل نتيجة للقرارات السياسية للاحتلال.
لكنه يوضح أن تلك المركبات تتلف دائما وتتعرض للإعطاب ولا قطع غيار بديلة لصيانتها، وأي مركبة تتلف تصبح في قائمة المركبات المعطلة.
ويبين بصل أن 10% فقط من مركبات الدفاع المدني بقيت تعمل في القطاع وما يتلف هو من ضمن هذه النسبة، مشيرًا إلى أن في مدينة غزة ثلاث مركبات إطفاء وإسعاف وإنقاذ فقط فإذا توقفت مثلا مركبة الإطفاء يعني أن هذه الخدمة توقفت في المدينة بشكل كامل.
ويتابع: لدينا مركبات استهدفها الاحتلال وحاولنا صيانتها لكن هناك قطع غيار غير متوفرة في السوق المحلي، وستبقى هذه المركبات على قائمة الانتظار لحين تتوفر قطع الغيار.
طالع المزيد: الصحة بغزة تناشد بضرورة إدخال الزيوت وقطع غيار المولدات للمستشفيات
ويشير بصل إلى أن الدفاع المدني ناشد المنظمات الدولية ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، لكن "بكل أسف هذا قرار سياسي إسرائيلي واضح بأنه لا يمكن أن يعود الدفاع المدني بغزة لسابق عهده".
ويؤكد المتحدث باسم الدفاع المدني أن احتياجات الجهاز ليست فقط قطع غيار ووقود بل هناك حاجة لجهاز دفاع مدني كامل ومتكامل من معدات ومركبات لتعود الخدمة لغزة بالشكل المطلوب.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الانتهاكات الاحتلالية التي أسفرت عن 713 شهيدًا و1943 جريحًا منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ويقول بصل، إن الحرب مستمرة ومن يعتقد أنها توقفت فهو "واهم"، مبينا أن نداءات الاستغاثة كثيرة في غزة، بينما لا يستطيع الدفاع المدني الاستجابة لكل الحالات بسبب الوقود أو الأعطال أو شح المركبات.
ويشير إلى استمرار الاستهداف والقصف الإسرائيلي واحتراق الخيام حتى بعد وقف الحرب، ويحتاج كل ذلك إلى مهام الإنقاذ والإطفاء والإسعاف مما يثقل كاهل الدفاع المدني في ظل انعدام المقومات.
وخلال عام 2025 أخرجت حرب الإبادة 22 مستشفى عن الخدمة، واعتدى الاحتلال على 211 سيارة إسعاف، ودمر 23 مركبة تابعة للدفاع المدني، بحسب بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
ولم تعد أزمة الوقود وقطع الغيار مسألة خدمية بل تهديدًا مباشرًا لحياة الأهالي في ظل عرقلة عمل الإسعاف والدفاع المدني بفعل الحرب والحصار، بينما ينذر استمرار هذا الواقع بشلل كامل في الاستجابة الإنسانية ما يتطلب تدخلاً عاجلًا لتأمين الحد الأدنى من مقومات العمل الإغاثي في غزة.