كانت ليلة باردة حين فاجأ المخاض إسراء غبن داخل صفٍ مدرسي في مدرسة نزحت إليها مع عائلتها في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، مع بداية حرب الإبادة أواخر عام 2023. لم يكن هناك سرير ولادة ولا مستشفى قريب، فقط صفٌ مكتظ بالنازحين وخوفٌ دائم من القصف.
نُقلت إسراء بداية إلى مستشفى العودة في تل الزعتر، لكن بسبب صعوبة حالتها تم تحويلها إلى مستشفى الشفاء، حيث خضعت لعملية قيصرية طارئة.
طالع المزيد: لقاء بلا ذاكرة... أمهات يستعدن أبناءهن الخُدّج وقلوب الأطفال لا تتعرّف
هناك وُلد طفلها مالك بوزن صغير ومشكلان صحية استدعت وضعه داخل الحضانة، في حين اضطرت والدته لمغادرة المستشفى بسبب خطورة الأوضاع والقصف، لتبدأ منذ تلك اللحظة قصة فراق طويلة لم تكن العائلة تتخيل أنها ستستمر لأكثر من سنتين.
أربعة أيام فقط
لم يحتضن الأب رامز غبن طفله، ولم تره الأم إلا لحظات بعد الولادة. كانت الأم تطمئن عليه عبر طبيب داخل مستشفى الشفاء، كان يتواصل معهم كلما توفرت الشبكة، لكن بعد أربعة أيام فقط انقطع الاتصال تمامًا مع حصار المستشفى وانقطاع الاتصالات.
بعد أيام، سمع الأبوان أخبارًا عن قصف طال محيط المستشفى، وأن قسم الحضّانات تضرر وتوفي عدد من الأطفال الخدّج. عندها اعتقد الأب أن طفله قد مات.
يقول رامز لصحيفة "فلسطين": "استودعت ابني الله، وكنت أعتقد أني فقدته، لم يكن هناك أي وسيلة لأعرف إن كان حيًا أم لا".
بصيص أمل على شاشة
بعد أيام من اليأس، شاهد رامز تقريرًا تلفزيونيًا في الشارع عن إجلاء أطفال خدّج من مستشفى الشفاء إلى رفح، وكانت الصور تظهر أطفالًا داخل الحضّانات.
يقول: "وقفت أتفرج على الشاشة وأقول يمكن هذا ابني بينهم، رجع الأمل لكن ما كنت أعرف أي واحد فيهم مالك".
أجبر بعدها على النزوح إلى الجنوب للبحث عنه، وبعد رحلة طويلة وخطرة استمرت نحو ثلاثة أشهر، وصل إلى رفح وبدأ البحث في المستشفيات واحدًا تلو الآخر، حتى وصل إلى المستشفى الإماراتي.

هناك أخبره الأطباء أن الطفل بصحة جيدة، لكنه لم يعد في غزة، إذ تم إجلاؤه مع مجموعة من الأطفال الخدّج إلى مستشفى في العاصمة الإدارية في مصر لتلقي العلاج.
سبعة أشهر دون أن يراه
لم يكن السفر ممكنًا، ولا الاتصالات متوفرة، فبقي الأب أشهرًا لا يعرف عن ابنه شيئًا. بعد أكثر من سبعة أشهر، تمكنت أخت رامز من التواصل مع صديقة لها في مصر، وطلبت منها الذهاب إلى المستشفى للاطمئنان على الطفل.
كانت الفتاة تسافر أربع ساعات في المواصلات حتى تصل إلى المستشفى، وفي البداية لم يسمحوا لها بالدخول، لكنها بعد محاولات تمكنت من رؤية الطفل وتصويره وإرسال الصور والفيديوهات للعائلة.
يقول رامز: "بعد أكثر من ستة أشهر شفت ابني لأول مرة في صور وفيديو. كنت أبكي وأنا أشوفه على الجوال، ما كنت مصدق إنه عايش".
وبسبب مشقة الطريق، طلب رامز منها أن تحاول الحصول على رقم أحد الممرضين الفلسطينيين المسؤولين عن الأطفال، فحصلت على رقم الممرض بلال الطوباسي، الذي بدأ يتواصل مع الأب بشكل مباشر، ويرسل له صورًا وفيديوهات للطفل باستمرار ليطمئنه على صحته.
يقول الأب: "كان يبعث لي صور وفيديوهات طول الوقت عشان يطمني، كان يبرد قلبي".
اللقاء بعد فراق طويل
مرّت الشهور، وكبر الطفل بعيدًا عن أهله، حتى جاء اليوم الذي انتظرته العائلة طويلًا.
كان اللقاء أخيرًا يوم الاثنين الموافق 30 مارس الماضي في مستشفى ناصر بخان يونس، عندما عاد الطفل مالك إلى غزة.
هناك، احتضنته أمه لأول مرة منذ ولادته، بعد فراق طويل.
يقول الأب :" زوجتي انهارت بالبكاء وهي تحتضن طفلها، تبكي بحرقة وشوق، بينما وقفت أنظر إليه بصمت، وكأن الروح عادت إلي من جديد".
يضيف رامز: "أنا ما حضنت ابني ولا شفته طول هالفترة، لما شفته حسيت روحي رجعت لي".
طالع المزيد: عودة 11 طفلًا خدجًا إلى غزة بعد إنهاء علاجهم عبر معبر رفح
اليوم يبلغ مالك سنتين وأربعة أشهر، وقد عاد أخيرًا إلى حضن والديه وإخوته الأربعة، بعد رحلة بدأت في حضّانة تحت القصف، مرورًا بالنزوح والإجلاء والسفر، وانتهت بعودة طفلٍ ظن أهله أنهم فقدوه إلى الأبد.
الحضّانات تحت القصف
قصة مالك واحدة من قصص أطفال خدّج كانوا داخل حضّانات مستشفى الشفاء خلال الحصار في نوفمبر 2023، حين واجهوا خطر الموت بسبب انقطاع الكهرباء والأكسجين والقصف حول المستشفى. لاحقًا تم إجلاء عدد منهم إلى رفح، ثم نُقل بعضهم إلى مصر لتلقي العلاج، ونجا بعض هؤلاء الأطفال بعد رحلة قاسية بدأت من الحضّانات تحت القصف وانتهت بالعودة إلى الحياة.
وكان مالك غبن واحدًا من هؤلاء الأطفال الذين خرجوا من بين القذائف، وعادوا بأعجوبة إلى حضن عائلاتهم.

