فلسطين أون لاين

تقرير بين مطرقة الحرب وسندان "الإقصاء".. ذوو الإعاقة بغزة خارج "حسابات التشغيل"

...
صورة تعبيرية
غزة / رامي رمانة:

قبل أن يشن الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة على قطاع غزة، كان واقع الأشخاص ذوي الإعاقة يشبه السير في حقل من الألغام القانونية والمعيشية. واليوم، وبعد ما يقارب العامين من التصعيد والدمار، لم يعد التحدي مجرد "صعوبة" في الوصول إلى فرصة عمل، بل بات صراعاً من أجل البقاء في مجتمع أخرجتهم ظروف الحرب من حساباته الاقتصادية والخدمية.

هذه الفئة، التي كانت تكافح لانتزاع حصة "الـ 5%" القانونية من الوظائف قبل الحرب، وجدت نفسها اليوم في مواجهة بطالة تقترب نسبتها من 90%، وسط تدمير شامل للبنى التحتية وغياب تام للعدالة في برامج التشغيل الطارئة.

طالع المزيد: آلاف ذوي الإعاقة في غزة يفقدون أدواتهم المساعدة… عزلة متفاقمة وحقوق معلّقة

وتضع المعلمة دعاء بشير، وهي من ذوي الإعاقة البصرية، النقاط على الحروف فيما يخص التدهور التاريخي لفرص العمل.

وتؤكد لصحيفة "فلسطين" أن الأزمة لم تبدأ مع الحرب، بل كانت متجذرة في بنية التوظيف.

وبحسب وصفها، فإن الحصول على وظيفة كان يتطلب "معركة حقوقية" تقودها المؤسسات والنشطاء، لتسفر في النهاية عن توظيف فردين أو ثلاثة فقط كل عام أو عامين، وغالباً في قطاعات محددة جداً.

ChatGPT Image 2 أبريل 2026، 07_36_53 م.png


وتضيف بشير زاوية أخرى تتعلق بـ "برامج التشغيل" التي كانت تشكل بصيص أمل:"كانت عقود التشغيل المؤقتة هي الرئة التي نتنفس منها، ورغم أنها لم تكن توفر استقراراً وظيفياً، إلا أنها كانت تمنحنا فرصة لإثبات الذات وتوفير الحد الأدنى من الدخل.

اليوم، توقفت هذه الرئة تماماً، وحتى تلك الفرص القليلة التي تظهر في الأفق، يتم استبعادنا منها بشكل ممنهج لصالح الأصحاء، وكأننا في ذيل قائمة الأولويات دائماً".

وتذهب بشير في حديثها إلى نقد مباشر للبرامج الدولية الحالية، وتحديداً برامج التعليم المدعومة من "اليونيسف". فهي ترى أن استثناء المعلمين من ذوي الإعاقة من هذه المبادرات التعليمية الطارئة هو "تراجع حقوقي" غير مبرر، خاصة وأن هؤلاء المعلمين لديهم الخبرة والكفاءة لإفادة الطلاب في مراكز النزوح.

وتختتم بشير رؤيتها بتوصيف مؤلم للواقع الميداني، حيث تقول إن الخيارات المتاحة حالياً انحصرت في "أعمال البسطات والبيع العشوائي".

وتوضح أن هذه المهن، رغم احترامها، لا تتوفر فيها أدنى معايير المواءمة الجسدية لفاقدي البصر أو ذوي الإعاقات الحركية الشديدة، مما جعل "البطالة المقنعة" هي العنوان الأبرز لحياة الآلاف من ذوي الإعاقة الذين يملكون شهادات عليا ويجلسون الآن دون أي دور في المجتمع.

ركزت بشير على أن الموظف الذي لا يزال على رأس عمله  أصبح عاجزاً عن الوصول بسبب صعوبة الحركة وتدمير الطرق، مما يعني توقف الراتب أو العطاء فعلياً.

شددت على أن ذوي الإعاقة ليسوا "حالات اجتماعية" تتلقى طروداً إغاثية فقط، بل هم أرباب أسر ومعيلون لديهم التزامات تعليمية ومعيشية تجاه أبنائهم، وهو ما يغيب عن خطط الطوارئ الحالية.

من جانبه، يرسم الدكتور باسل  عابد، مدير دائرة بطاقة الأشخاص ذوي الإعاقة في وزارة التنمية الاجتماعية ، صورة قاتمة للمشهد؛ مؤكداً أن الحرب أدت إلى "شلل تام" في المسارات المهنية والتعليمية لهذه الفئة.

 ويشير عابد لصحيفة "فلسطين" إلى أن فقدان 90% من ذوي الإعاقة لمصادر رزقهم ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو كارثة إنسانية تعني عجز آلاف الأسر عن تأمين لقمة العيش.

طالع المزيد: النزوح يضاعف معاناة ذوي الإعاقة في غزة

وينتقد عابد بشدة آليات عمل بعض المنظمات الدولية والمحلية، واصفاً إياها بـ "الفوضى"، حيث تغيب الشفافية وتطغى "المحسوبية" في توزيع فرص العمل المؤقتة، بعيداً عن المعايير المهنية أو الحصص المقرة قانوناً لذوي الإعاقة.

ونبه الى أنه لم يعد "البحث عن عمل" هو العائق الوحيد، بل إن الوصول إلى مكان العمل -إن وُجد- بات مغامرة غير مأمونة العواقب، نظراً لـ غياب الأرصفة الموائمة وصعوبة الحركة بالكراسي المتحركة في طرقات غصت بالركام.

أمام هذا التردي، يرى عابد أن الحل لا يكمن في المساعدات العينية المؤقتة، بل في ضرورة تشكيل جسم وطني موحد يجمع وزارة التنمية الاجتماعية والاتحاد العام للأشخاص ذوي الإعاقة والمنظمات الدولية،  لإلزام المؤسسات الدولية بالإفصاح عن نسب تشغيل ذوي الإعاقة في مشاريع الطوارئ وإعادة دمج المعلمين والأخصائيين في البرامج التعليمية والنفسية الجارية حالياً.

وشدد على أن استمرار تغييب ذوي الإعاقة عن سوق العمل في غزة ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل هو انتهاك صارخ للحقوق الإنسانية في وقت تزداد فيه أعدادهم يومياً نتيجة الإصابات المباشرة للحرب، ما يستدعي تحركاً دولياً لضمان "حياة لائقة" لا تقوم على الصدقة، بل على الاستحقاق القانوني.

المصدر / فلسطين أون لاين