في غرفةٍ باردةٍ تُثقلها رائحة الأدوية، وعلى سريرٍ أبيض في مستشفى الرنتيسي بغزة، ترقد الطفلة سناء عز الدين النمنم، ابنة الأشهر الخمسة، كأنها تحمل من الألم ما يفوق عمرها الصغير بكثير، عيناها نصف مفتوحتين، وأنفاسها متقطعة، وجسدها الصغير يئن بصمتٍ لا يسمعه إلا من اقترب كثيرًا منها، هنا، تبدأ حكاية طفولة لم تُمنح فرصتها أن تكون.
سناء لا تعاني عارضا صحيا عابرا، بل تخوض معركة معقّدة مع مرضٍ ينهش كبدها الصغيرة، نتيجة تشكّل أوعية دموية غير طبيعية حوله بفعل "وحمة"، هذه الكتلة لم تكتفِ بإرباك جهازها الهضمي وتعطيله، بل راحت تتمدد بثقلٍ مؤلم، لتضغط على قلبها الهش ورئتيها الصغيرتين، لتجعل كل نفسٍ تأخذه معركة بحد ذاتها، وتُبقي حياتها معلّقة بخيطٍ دقيق من الرجاء.
منذ نحو شهر، لم تعرف هذه الرضيعة طعم الراحة، بكاؤها لا يهدأ، ووجعها لا يصمت، تحاول والدتها تهدئتها، ترفعها بين ذراعيها، تهمس لها بكلماتٍ لا تفهمها، غير أن الألم كان أقوى من كل محاولات الطمأنينة.
طالع المزيد: استشهاد الطفل بربخ... رحلة البحث عن لقمة عيش تتحوَّل إلى مأساة
وتستعيد الأم لحظة الانتظار الطويل، وتقول لصحيفة "فلسطين" بصوتٍ يختلط فيه الامتنان بالوجع: "انتظرت قدومها بفارغ الصبر، بعد عشر سنوات من الحرمان رزقت بها، كنت أحلم باليوم الذي أحمل فيه صغيرًا… والحمد لله أنها جاءت، لكن لم أتخيل أن أراها تتألم بهذا الشكل".
فقبل شهر فقط، بدأت الحكاية تأخذ منحى أكثر قسوة. في ذلك اليوم لم يتوقف بكاء سناء، فحملها والديها إلى طبيبٍ خاص، هناك، لاحظ انتفاخًا غير طبيعي في بطنها، وطلب إجراء صورة طبقية (CT) لكن حتى هذه الخطوة لم تمر بسلام، إذ كادت الطفلة أن تفقد حياتها أثناء الفحص.
وتروي الأم تلك اللحظة المرتجفة: "أعطوها مياه ملونة لتصويرها، وفجأة اختنقت… شعرت أن قلبي سيتوقف قبل قلبها".
بعد أسبوع، أُعيدت الصورة، لتكشف الحقيقة الصادمة، وجود وحمة على الكبد، تسببت بسلسلة من المضاعفات الخطيرة.
الأب، عز الدين، يقف إلى جانب سرير طفلته، يحمل في عينيه مزيجًا من الانكسار والرجاء، يقول: "منذ ما يقارب شهر وهي تمكث في المستشفى، تصرخ من وجعها وتبكي، الضغط الذي تسببه الوحمة يجعلها تستفرغ باستمرار، هذه الطفلة التي تمنيتها من ربنا سنين طويلة… كنت أنظر للأطفال حولي وأدعو الله أن يرزقني، جاءتني بعد شوق وعطش، واليوم أراها تتألم ولا أستطيع فعل شيء.
فلا يتوقف الفريق الطبي عن إجراء الفحوصات والتحاليل، في محاولة لفهم تطورات حالتها، لكن المؤشرات مقلقة، وضعها يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وقد بدأت تعاني من ارتفاع في الضغط، في ظل تدهور حالتها العامة.
ويشير الأطباء في المستشفى إلى أن سناء بحاجة إلى تدخل جراحي عاجل خارج قطاع غزة، حيث الإمكانيات المحلية غير كافية للتعامل مع حالتها المعقدة، وكل يوم تأخير، يعني خطرًا أكبر على حياتها.
فلا تفارق الأم سرير الطفلة، وعينيها تراقب صدر صغيرتها وهو يعلو ويهبط بصعوبة، وتناشد بصوتٍ متهدج: "أناشد وزارة الصحة، ومنظمة الصحة العالمية، وكل جهة قادرة… أن تنقذ طفلتي، لا أريد أن أفقدها بعد كل هذا الانتظار، فقط أريد أن أراها تكبر أمامي".
طالع المزيد: الطفل سند أبو طير… أربع سنوات على حافة الشلل
بين الأجهزة الطبية، وصوت البكاء الخافت، وعيونٍ تترقب معجزة، فحالة سناء تختصر معاناة آلاف المرضى والجرحى الذين تقف ظروف الواقع وإغلاق الأبواب في وجه علاجهم.
ورغم كل شيء، لا يزال الأمل حاضرًا، ضعيفًا لكنه قائم، يتشبث به والدان أنهكهما الانتظار، ويؤمنان أن اتصالًا واحدًا قد ينقذ حياة صغيرتهما، ويمنحها فرصة لتبدأ حكايتها من جديد… بعيدًا عن الألم.