يواصل الاحتلال الإسرائيلي إغلاق أبواب المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة لليوم الرابع والثلاثين على التوالي، مانعًا المصلين من الوصول إليه، في ظل إجراءات عسكرية مشددة تُفرض على المدينة ومحيطها، وسط حالة من التوتر المتصاعد.
وتبرر سلطات الاحتلال هذه الخطوة بما تسميه "حالة الطوارئ"، على خلفية الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، المستمرة منذ أواخر فبراير/شباط الماضي.
وبحسب ما أُبلغت به الأوقاف الإسلامية في القدس، فقد تقرر تمديد إغلاق المسجد الأقصى حتى الخامس عشر من أبريل/نيسان الجاري، في سابقة تُعد الأطول منذ إكمال احتلال المدينة عام 1967، الأمر الذي يثير مخاوف واسعة من تداعيات خطيرة على واقع المقدسات في المدينة.
ولم تقتصر هذه الإجراءات على المسجد الأقصى، بل امتدت لتشمل المقدسات المسيحية أيضًا، حيث يستمر إغلاق كنيسة القيامة، في مشهد يعكس سياسة تضييق شاملة تستهدف عزل المدينة المقدسة وفرض واقع جديد فيها.
اقرأ أيضًا: الاحتلال يواصل إغلاق المسجد الأقصى ودعوات متطرفة لذبح القرابين داخله في "عيد الفصح"
في موازاة هذا التصعيد، نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وعلماء غزة وقفة احتجاجية حاشدة أمام مقر المعهد الأزهري في مدينة غزة، تنديدًا باستمرار إغلاق المسجد الأقصى، وتأكيدًا على حضوره العميق في وجدان الشعب الفلسطيني، رغم ما يعيشه القطاع من حرب وحصار.
وحملت الوقفة طابعًا تعبويًا واضحًا، حيث رفع المشاركون عشرات اللافتات التي عبّرت عن حالة الغضب الشعبي، وجاءت بلغتين، العربية والإنجليزية، في محاولة لإيصال الرسالة إلى العالم بأسره.
ومن بين أبرز الشعارات التي تصدرت المشهد:
"إغلاق الأقصى جرح في قلب العقيدة… فيا حماة الدين متى تغضبون"، "الأقصى عقيدة وإغلاقه جريمة"، "صمت الأمة خذلان ونصرة الأقصى فرض"، "منابركم أمانة وصمتكم استكانة… أعيدوا الهيبة بكلمة حق تزلزل الظالمين"، "غزة المحاصرة تكسر صمت العالم".
إضافة إلى نداءات مباشرة للمؤسسات الدينية الكبرى: "من أزهر غزة نناشد أزهر مصر بالتحرك العاجل"، و"إلى الأزهر، إلى القيروان، إلى مكة والمدينة… الأقصى يستغيث ضمائركم".
وعكست هذه اللافتات حالة من الاحتقان الشعبي، ورسائل ضغط معنوية موجهة إلى العلماء والمؤسسات الدينية وزعماء العالم الإسلامي، مطالبةً بكسر حالة الصمت والتحرك الفاعل لنصرة المسجد الأقصى.
وعلى هامش الوقفة، أدلى عدد من المسؤولين والدعاة بتصريحات خاصة لـ "فلسطين أون لاين"، أجمعوا فيها على خطورة المرحلة وضرورة التحرك العاجل.
وقالت وزارة الأوقاف إن استمرار إغلاق المسجد الأقصى يمثل جريمة لا يمكن القبول بها، داعية إلى إعادة فتحه فورًا، ومشددًا على أن جميع محاولات الاحتلال لفرض وقائع جديدة لن تغيّر من حقيقة أن الأقصى وقف إسلامي خالص.
مفتي عُمان: إغلاق الأقصى من أعظم الظلم والعجب هو سكوت المسلمين
ودعت في كلمتها التي القاها محمد سالم العلماء وأئمة المساجد في العالم إلى القيام بدورهم في تعبئة الأمة وتحريكها.
وأكدت أن المرحلة تتطلب خطابًا دينيًا قويًا يعيد توجيه البوصلة نحو المسجد الأقصى.
وفي تصريحات خاصة على هامش الوقفة لـ "فلسطين أون لاين"، قال المتحدث باسم الوزارة أمير أبو العمرين إن الرسالة التي تخرج من غزة، رغم الجوع والنزوح، هي أن "الأقصى في خطر"، داعيًا الأمة إلى الإفاقة قبل فوات الأوان. وأضاف أن الأقصى ليس مجرد مكان، بل هو جزء من عقيدة المسلمين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم.
المتحدث باسم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، أمير أبو العمرين
بدوره شدد الدكتور محمد سالم على أن إغلاق المسجد الأقصى يتنافى مع القيم الإنسانية والشرائع السماوية والقوانين الدولية، داعيًا الأمة الإسلامية وأحرار العالم إلى التوحد من أجل وقف هذه الانتهاكات.
أما الداعية زاهر قشطة، فوجه رسالة مؤثرة إلى قادة العالم، متسائلًا عن استمرار الصمت تجاه ما يتعرض له المسجد الأقصى، ومؤكدًا أن الشعب الفلسطيني يدافع عن كرامة الأمة بأسرها. كما وجه نداءً خاصًا إلى علماء الأمة، معتبرًا أنهم يتحملون مسؤولية كبرى في توجيه الشعوب وتحريكها.
من جانبه، أكد الشيخ محمد حرز أن المسجد الأقصى أمانة في أعناق المسلمين جميعًا، وليس قضية الفلسطينيين وحدهم، مشددًا على أن استمرار الصمت يمثل تقصيرًا خطيرًا، ومتسائلًا: "هل ننتظر حتى يُهدم الأقصى لنتحرك؟".
تعكس هذه الوقفة، بما حملته من شعارات وتصريحات، حالة من التلاحم بين البعد الشعبي والديني في التعامل مع قضية المسجد الأقصى، حيث لم تكن مجرد فعالية احتجاجية، بل منصة لإيصال رسائل متعددة الاتجاهات: إلى الداخل الفلسطيني، وإلى العالم الإسلامي، وإلى المجتمع الدولي.
وفي ظل استمرار إغلاق المسجد الأقصى، تبقى مثل هذه الفعاليات مؤشرًا على حيوية الشارع الفلسطيني وتمسكه بمقدساته، رغم الظروف القاسية، كما تعكس إصرارًا على إبقاء القضية حاضرة في الوعي العام، وعدم السماح بتمريرها في ظل الأزمات المتلاحقة.
ومع دخول الإغلاق أسبوعه الخامس، تتصاعد الدعوات إلى تحرك أوسع وأكثر تأثيرًا، في وقت يواصل فيه الفلسطينيون التأكيد على حقهم في الوصول إلى مقدساتهم، ورفضهم لأي محاولات لفرض واقع جديد في المدينة المقدسة.