في مكانٍ يبدو غير مناسب لضعاف القلوب وأصحاب حاسة الشمِّ القوية، وجد آلافُ المدمَّرة منازلهم ملاذهم الأخير في مخيم "التعاون" للنازحين، الذي أُقيم بجوار مكب نفايات اليرموك في قلب مدينة غزة. المكان الذي كان عامرًا بحركة الناس والبائعين، تحوَّل بسبب الحرب المدمِّرة إلى مكرهةٍ صحية تنبعث منها روائح تثير اشمئزاز الإنسان وغثيانه، وتتسرَّب عبر ممراته الضيقة مياه الأمطار الممزوجة بالصرف الصحي، وتنتشر فيه القوارض التي تقتحم خيام النزوح وتقضُّ مضاجع سكانها.
كل هذا لم يدفع رنا صابر (31 عامًا) وأطفالها إلى ترك المخيم والبحث عن مكانٍ آخر، لا لأنها لا تريد المغادرة، بل لأن زوجها هاني أبو ليلة (34 عامًا) لم يجد ملاذًا آخر لإيواء عائلته.

تحت سقف خيمةٍ مهترئة مصنوعة من القماش الخفيف، يخترقها صفير الرياح من ثقوبٍ تملؤها، وتدلف عبرها مياه الأمطار، أشعلت رنا بعض العيدان الرطبة في موقدٍ بدائي لتجهيز وجبة طعام صغيرة.
كان أطفالها الأربعة، أكبرهم براء (7 أعوام) وأصغرهم نضال (عامان)، يمشون بأقدامٍ حافية على أرضٍ أغرقتها الأمطار التي رافقت منخفضًا جويًا تأثَّر به القطاع الساحلي. تجمَّعوا بجوار والدتهم في محاولةٍ يائسة للحصول على قسطٍ من الدفء، لكن ألسنة النيران المنبعثة من الموقد الصغير لم تكن كافية لذلك.
"حياتنا هنا لا تُطاق.. روائح كريهة تأتينا من المكب، والأمطار تُغرق فراشنا، أما القوارض فقد مزَّقت خيامنا.. حياتنا تفتقد لأدنى مقومات الحياة الآدمية"، قالت رنا، وبدت في حيرةٍ من أمرها.

وأضافت لصحيفة "فلسطين": "عندما يهطل المطر وأطفالي نيام، أحزن عليهم كثيرًا ولا أعرف ماذا أفعل".
تُدرك رنا وزوجها أنه لولا الحرب التي شنَّها جيش الاحتلال وأفقدتهما منزلهما في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، لما واجها قسوة العيش تحت خيامٍ لا تقي أصحابها من لسعات البرد.
المأساة لا تقف عند هذا الحد، إذ تعترف رنا بأنها تسمع القوارض وهي تأكل حواف الخيمة إيذانًا باقتحامها. "رأيتها عدة مرات، وكانت من الحجم الكبير جدًا"، في إشارةٍ إلى القوارض (العِرَس) التي تتضور جوعًا، وإذا حلَّت بمكانٍ فإنها تنشر الأمراض.
"أذكر جيدًا عندما رأيتها.. بقيت على فراشي ولم أستطع فعل شيء، بينما كان أطفالي خارج الخيمة"، تابعت رنا وصف مشاهد المعاناة التي تعيشها.
وبينما تنشغل الأم في ساعات النهار بتدبير أمور أطفالها، تلجأ بمساعدة زوجها قبل هبوط الليل، وباستخدام أحجارٍ صغيرة، إلى سدِّ الثغرات عند أطراف الخيمة لمنع عبور القوارض إلى خيمتهم، رغم إدراكها عدم جدوى ذلك.
تتابع رنا حديثها: "هذه هي حياتنا؛ بردٌ وقوارض وآفات، كلها اجتمعت علينا، وكأنه لا يكفينا الفقر والجوع الذي نعيشه".
عندما عاد زوجها هاني إلى الخيمة مساءً، سألها عن وجبة طعام، ولم يكن لديها سوى علبة "فاصولياء" لجأت إلى طبخها على الموقد المشتعل. أدرك أن هذه الوجبة بالكاد تكفي أطفاله الأربعة، قبل أن يقول لـ"فلسطين": "أنا وزوجتي سنتدبر أمورنا، لكن الأطفال لا يصبرون على الجوع".
في الجوار القريب، يتشارك علاء الشرباصي وزوجته وأطفاله مأساة النزوح في ذات المخيم.
يقول: "لو كان لدي مكانٌ آخر، لما بقيت دقيقةً واحدة هنا. هذا المكان لا يصلح للعيش بسبب روائح مكب النفايات ومياه الصرف التي تملأ ممرات المخيم".

يضيف علاء لـ"فلسطين": "القوارض الكبيرة تقتحم مكان نزوحنا دائمًا، حتى إنها عضَّت ابنتي رزان (عامان) من إصبعها وأصابتها بالأمراض.. أي مكانٍ هذا الذي تعيش فيه القوارض مع النازحين؟!".
"حاولنا إيجاد حلول للتخلص من مياه الصرف الصحي، لكننا لم نتمكن بسبب عدم توفر بنية تحتية قادرة على استيعابها.. الآن يختلط الصرف الصحي بالأمطار التي تغرق المخيم"، تابع علاء حديثه بغضب.
أما قصة حمادة أبو ليلة، فهي الأشد مأساة، إذ إن الأكاديمي الذي كان يعمل قبل الحرب محاضرًا في كلية الدعوة في بلدة بيت لاهيا، وكان يملك بيتًا خرسانيًا دمر بالكامل، يقيم حاليًا في خيمةٍ ملاصقة لجدار مكب النفايات.
ولمن لا يعرف، فإن أبو ليلة حاصل على المركز الأول في تخصص العلوم الشرعية، وعُيِّن معيدًا في كلية الدعوة، كما حصل على شهادة دبلوم من كلية المجتمع في تكنولوجيا المعلومات، وكذلك تخرَّج من الجامعة الإسلامية تخصص هندسة معمارية، وفق قوله لـ"فلسطين".
لكن هذا الإنجاز العلمي لم يشفع له أمام الحرب وما رافقها من جرائم إبادة وعمليات تدمير طالت أحياءً ومحافظاتٍ كاملة في قطاع غزة.
يضيف أبو ليلة: "حياتي الأسرية والاجتماعية والمهنية قبل الحرب ليست كما بعدها.. الآن صار همي الأكبر أن أمنع القوارض من اقتحام الخيمة وإيذاء أطفالي"، أكبرهم حمزة (13 عامًا) وأصغرهم تالا (5 أعوام).
بين الخيام التي تتناثر حول المكب، يتخذ أبو ليلة ومجموعة من الإداريين مكانًا لمتابعة شؤون النازحين في المخيم، الذي يضم 830 خيمة تؤوي أكثر من 4320 مواطنًا. هناك يستمع هو وشركاؤه لهموم المواطنين ومآسيهم ومعاناة نقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب، ضمن مهمة يؤديها منذ أشهر بصفته مسؤول الملف الإغاثي في المخيم.
"نستمع لهموم النازحين، ونعرف أن معاناتهم كبيرة، لكن لا نملك حلولًا لها.. ندرك أن هذه المعاناة لن تنتهي إلا بإدخال بيوت جاهزة وبدء إعمار ما دمَّرته الحرب"، تابع أبو ليلة حديثه، وبدا يائسًا.
إلا أن ذلك يبدو أمنيةً في زمن الحرب وخروقات (إسرائيل) المستمرة لوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وأبقت الاتفاق المعلن دوليًا حبرًا على ورق، في حين تزداد معاناة النازحين من نقص الغذاء والدواء والمساعدات الإغاثية، وانتشار الآفات والأمراض.

