أدّت الحرب إلى تدمير واسع للقطاع الزراعي في قطاع غزة، إذ تقلّصت المساحات المزروعة بشكل حاد، وارتفعت التكاليف، وازدادت المخاطر بفعل الاعتداءات الإسرائيلية اليومية من إطلاق نار وقصف وتجريف للأراضي. وبالرغم من ذلك، يصرّ المزارعون على التمسك بأراضيهم التي ورثوها جيلًا بعد جيل، في محاولة لحماية مصدر رزقهم وتأكيد ارتباطهم العميق وتجذّرهم في أرضهم، بالرغم من النزوح والدمار وصعوبة الوصول إليها.
على مدار سنوات طويلة، كان المزارع أكرم أبو روك يزرع أرضه الواقعة في بلدتي خزاعة وعبسان الكبيرة شرق خانيونس، مستفيدًا من الدفيئات الزراعية والأراضي المكشوفة والبيوت البلاستيكية، حيث تنوّعت محاصيله بين البندورة والشمام والبطيخ والبازيلاء والشعير والقمح الموسمي والزهرة.
العودة المؤقتة
خلال الحرب، جرف جيش الاحتلال أرضه البالغة مساحتها أربعة دونمات ورثها عن والده، إضافة إلى 15 دونمًا كان يستأجرها. ومع بدء العدوان، نزح تاركًا خلفه محاصيل ناضجة، شأنه شأن كثير من المزارعين الذين غادروا بيوتهم تحت القصف، وتركوا الدفيئات وبرك المياه وشبكات الري.
ومع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار خلال الهدنة الأولى نهاية يناير/كانون الثاني 2025، تمكن أبو روك من العودة مؤقتًا إلى أرضه. يقول لصحيفة "فلسطين"، وفي صوته حنين واضح: "استطعت الوصول إلى الأرض، وجدت بعض الدفيئات قائمة لكنها متضررة، فبدأت بتنظيفها وتجهيزها من جديد".
ويضيف: "باشرت ابنتي مع صديقتين لها مشروع زراعة البطيخ والبندورة على مساحة دونم، وكنا على وشك الحصاد، لكن استئناف الحرب في 18 مارس/آذار 2025 أنهى كل شيء".
عاد أبو روك للنزوح في منطقة المواصي، لكن ارتباطه بالأرض لم ينقطع، فبات يساعد مزارعين آخرين في زراعة أراضيهم، مستفيدًا من خبرته الطويلة. يقول: "نزرع أكثر من صنف داخل الدفيئة الواحدة، مثل البندورة والزهرة".

المزارع أكرم أبو روك يزرع أرضه الواقعة في بلدتي خزاعة وعبسان الكبيرة شرق خانيونس
وفي يوم الأرض، يستحضر أبو روك أرضه بألم: "فقدنا أراضينا التي كنا نطعم بها أبناء شعبنا، لكننا سنلبي نداء الأرض أينما كنا. الأرض بالنسبة لنا انتماء، وسنبقى نزرعها".
ويؤكد أنه رغم تجريف أرضه خمس مرات خلال حروب سابقة، كان يعود لزراعتها في كل مرة، مضيفًا بنبرة تحدٍ: "كلما استطعت العودة، سأزرعها".
بدأت علاقة أبو روك بالأرض منذ طفولته، حين كان يعمل مع والده في "كرم اللوز"، ثم ورث المهنة ونقلها لأبنائه، لتبقى الأرض جزءًا من هوية العائلة.
مخاطر يومية
تتضاعف معاناة المزارعين القريبين من "الخط الأصفر" والمناطق الشرقية للقطاع، خاصة على امتداد شارع صلاح الدين، في ظل الاعتداءات المتكررة.
يقول المزارع رياض النسر (65 عامًا) من مخيم البريج، إن الاقتراب من أرضه التي لا تبعد سوى 100 متر عن الحدود يمثل مخاطرة يومية، إذ يتعرض لإطلاق نار كلما حاول الوصول إليها.

المزارع رياض النسر (65 عامًا) من مخيم البريج
ويروي: "نذهب بين الحين والآخر لتفقد الأرض وريّ المحصول، خاصة أن موسم حصاد البقدونس قد حان، لكننا نتعرض لإطلاق النار وتحليق طائرات 'كواد كابتر'، ما يمنعنا من جمع المحصول".
ويضيف أن طائرة مسيّرة ألقت قنبلة قربه قبل أربعة أشهر، ونجا منها بأعجوبة، في حين تصل رصاصات طائشة إلى أرضه بشكل مستمر.

ورغم الخطر، يتمسك النسر بزراعة أرضه لخصوبة تربتها ومياهها العذبة مقارنة بالمناطق الغربية، مؤكدًا إصراره على عدم تركها. كما يزرع مع عائلته أرضًا أخرى مساحتها 25 دونمًا، لكنها أيضًا ليست بمنأى عن الخطر.
ويشتكي من ارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ ارتفع سعر أنابيب الري من 90 شيقلًا إلى 500 شيقل، وحراثة الدونم من 20 إلى 250–560 شيقلًا، إضافة إلى ارتفاع أسعار المبيدات من 38 إلى 900 شيقل، ما جعل الزراعة عبئًا مكلفًا.
ورغم إصابته مرتين سابقًا، إحداهما أدت لبتر إصبعين من قدمه، يؤكد تمسكه بأرضه ومهنته.
شحّ البذور
من جانبه، يسلّط المزارع مؤيد بشير (28 عامًا) الضوء على أزمة شحّ البذور والأشتال، وارتفاع تكاليف الري. يقول: "تكلفة ريّ 10 دونمات تصل إلى 250 دولارًا، تذهب لصاحب المولد وسعر السولار الذي بلغ 90 شيقلًا للتر".
ويشير إلى أن المزارعين يواجهون، إلى جانب التكاليف، اعتداءات مستمرة تشمل القصف واستهداف آبار المياه، ما يفاقم معاناتهم.

المزارع مؤيد بشير (28 عامًا)
وفي ذكرى يوم الأرض، يؤكد بشير ارتباطه بالأرض قائلًا: "تربينا على حبها، وهي التي علمتنا وأوصلتنا للجامعات. أوصي بالتمسك بها وزراعتها، حتى لو بالشعير أو القمح، لأن تركها يعني خسارتها".
تراجع حاد
تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة نحو 180 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، تتركز في شماله وجنوبه وشرقه، وهي مناطق تخضع اليوم لسيطرة الاحتلال.
وبحسب مدير العلاقات العامة والإعلام المكلف في وزارة الزراعة، لؤي رجب، فإن المساحات المزروعة حاليًا لا تتجاوز 5% من إجمالي الأراضي الزراعية.
وأوضح أن القطاع كان قبل الحرب يحقق اكتفاءً ذاتيًا في معظم أصناف الخضار، بل كان يصدّر يوميًا نحو 300 طن، بعائد يصل إلى مليون شيقل يوميًا، فيما يعتمد اليوم على الاستيراد بأسعار مرتفعة.
وقبل العدوان، كان يعمل في القطاع الزراعي نحو 55 ألف مزارع، يعيش معظمهم اليوم في خيام النزوح، بعد تدمير وتجريف نحو 87% من الأراضي الزراعية، خاصة تلك الواقعة شرق "الخط الأصفر" التي تشكّل 62% من إجمالي الأراضي.

