مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار إلى طبيعة هذا الصراع الذي يتخذ مسارات متعددة، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة. وفي هذا السياق، يرى الباحث المختص في الشأن الأمريكي، توفيق طعمة، أن ما يجري لا يمكن تصنيفه كحرب تقليدية، بل هو نمط مركب من الصراع يعتمد على مزيج من الأدوات العسكرية المحدودة، والضغوط الاقتصادية، والرسائل السياسية.
وأوضح طعمة، لـ "فلسطين أون لاين"، أن مسار المواجهة لا يشير إلى حسم قريب، بل إلى ما وصفه بـ"صراع استنزاف مضبوط الإيقاع"، حيث تسعى كل من واشنطن وطهران إلى تحسين شروطها التفاوضية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون مكلفة للطرفين وللمنطقة بكاملها.
الباحث في الشأن الأمريكي، د. توفيق طعمة
وفي قراءته لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن "قرب الحسم"، اعتبر طعمة أنها تندرج ضمن سياق رفع سقف الضغط السياسي والإعلامي، أكثر من كونها تعبيرًا عن واقع ميداني حاسم.
وأضاف أن هذه التصريحات تخدم هدفين رئيسيين: تعزيز صورة القيادة داخليًا أمام الرأي العام الأمريكي، ودفع إيران نحو تقديم تنازلات عبر الإيحاء بأن عامل الوقت لا يعمل لصالحها.
وحول الشروط الأمريكية المطروحة، أشار طعمة إلى أنها تعكس سقفًا تفاوضيًا مرتفعًا يهدف إلى إعادة تشكيل السلوك الإقليمي والاستراتيجي لإيران. لكنه استدرك بأن موازين القوى الحالية تجعل من الصعب قبول هذه الشروط بشكل كامل، ما يعني أنها تُستخدم كأداة ضغط لانتزاع تنازلات جزئية، وليس كأساس لتسوية نهائية شاملة.
ورأى أن الرد الإيراني على مقترح ترامب لن يدفع واشنطن إلى حسم سريع، بل إلى إدارة مرحلة "شدّ الحبال" المحسوبة. وقال: "الإدارة الأمريكية غالبًا ستتعامل مع الرد باعتباره خطوة ناقصة، فتُبقي باب التفاوض مفتوحًا مع رفع مستوى الضغط سياسيًا واقتصاديًا، وربما عسكريًا بشكل محدود".
اقرأ أيضًا: الصَّواريخ العنقوديَّة الإيرانيَّة … تهديد متصاعد يربك منظومات الاعتراض الإسرائيليَّة
وبيّن أن الهدف ليس إسقاط المسار، بل تحسين شروطه وانتزاع تنازلات إضافية، خصوصًا في القضايا الأكثر حساسية، مضيفًا: "نحن أمام مزيج من التصعيد التكتيكي والتفاوض المستمر، دون انزلاق إلى مواجهة شاملة، إلا إذا انهارت كل القنوات".
وعن السيناريوهات المحتملة لمسار الصراع، رجّح طعمة عدة مسارات، أبرزها التوصل إلى تهدئة مرحلية قائمة على تفاهمات غير معلنة، أو استمرار نمط الاستنزاف الحالي دون توسع كبير.
وأشار إلى احتمال حدوث تصعيد محدود ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، فيما يبقى خيار الانفجار الواسع قائمًا لكنه ضعيف، ويرتبط بإمكانية حدوث سوء تقدير من أحد الأطراف.
ملف غزة
وفيما يتعلق بملف غزة، أوضح طعمة أن هذا الملف يشهد تراجعًا نسبيًا في سلم الأولويات الإقليمية، في ظل الانشغال بالتوتر مع إيران، إلا أنه يظل متأثرًا بشكل غير مباشر بتطورات هذا المسار؛ إذ إن أي تهدئة أو تصعيد بين واشنطن وطهران سينعكس على الأوضاع في القطاع.
أما بشأن احتمالات ممارسة ضغوط أمريكية على (إسرائيل)، فرأى طعمة أن هذه الضغوط – إن وُجدت – ستكون محدودة، وتهدف إلى ضبط إيقاع العمليات العسكرية، وليس إلى فرض حسم سريع.
اقرأ أيضًا: "حماس": استمرار القتل في غزة يكشف سعي الاحتلال لنسف اتفاق وقف إطلاق النَّار
وأكد أن الهدف الأمريكي يتمثل في منع توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على توازن العلاقة الاستراتيجية مع (إسرائيل).
وفيما يخص غزة، أشار إلى أن الوضع يبقى مرتبطًا جزئيًا بالتوتر الإقليمي، لكنه ليس رهينة مطلقة له. فأي تصعيد بين واشنطن وطهران سينعكس على سلوك الفاعلين في القطاع، وخاصة حركة حماس والفصائل الفلسطينية، ما يُبقي التهدئة هشّة.
في المقابل، هناك مسار تفاوضي مستقل نسبيًا قد يسمح بالحفاظ على وقف إطلاق النار. وذكر أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق سيظل مشروطًا بتقاطع ثلاثة عوامل: مستوى التفاهم الأمريكي–الإيراني، وحسابات (إسرائيل) الأمنية، وفاعلية الوسطاء.
وختم حديثه بالقول: "إن استمرار التوتر يعني ترجيح التأجيل، بينما أي انفراج نسبي قد يفتح الباب أمام تقدم تدريجي محدود".