قائمة الموقع

عام ثالث بلا مدارس… خيام تُنقذ ما تبقّى من التعليم

2026-03-30T09:42:00+03:00
تعليم للأطفال داخل خيمة بعد قصف الاحتلال المدارس في غزة
فلسطين أون لاين

للعام الثالث على التوالي، يغيب جرس المدرسة عن حياة أطفال غزة، لكن التعليم لم يتوقف تمامًا؛ إذ وُلدت مدارس بديلة من القماش، داخل خيام نُصبت فوق أنقاض الدمار، في محاولة لإنقاذ ما تبقّى من حقٍ يتآكل يومًا بعد يوم.

في ساحة مدرسة فهمي الجرجاوي المدمّرة، لا صفوف تقليدية ولا مقاعد دراسية، بل ستّ خيام تعليمية أُقيمت على عجل، تحاول إعادة ملامح المدرسة. تجلس الطالبات على فرشات إسفنجية، يستمعن لشرح المعلمة، ثم تكتب الدرس في كراسة طالبة واحدة من كل مجموعة، لتتناوب الباقيات على نسخه، وهنّ يضعن دفاترهن على أرجلهن، ويغيّرن جلستهن كلما اشتدّ التعب.

ورغم بساطة الإمكانات، تشكّل هذه النقاط التعليمية نافذة أمل، يتلقّى فيها الأطفال أساسيات المنهاج، بعد انقطاع امتد لثلاثة أعوام.

تعليم بين الركام

مع انتهاء إجازة العيد، انطلق ما يشبه فصلًا دراسيًا جديدًا، حيث تتلقى الطالبات دروسًا في المواد الأساسية: اللغة العربية، والرياضيات، واللغة الإنجليزية، والعلوم، ثلاثة أيام أسبوعيًا.

في المقابل، تحوّلت بعض غرف المدرسة المتضررة إلى مراكز إيواء لعائلات نازحة، بينما تختلط أصوات الشرح بضجيج المكان، فلا يفصل بين “الفصول” سوى أقمشة بلاستيكية مثبتة على هياكل خشبية.

ورغم هذا الواقع، تُظهر الطالبات إصرارًا لافتًا على مواصلة التعلم، ولو في حدّه الأدنى.

بحث عن فرصة

على مدار عام كامل، بحثت والدة الطفلة تالا عجور (10 أعوام) عن فرصة تعليم تعوّض ابنتها ما فاتها من عامين دراسيين، دون جدوى، حتى سمعت مؤخرًا عن نقطة تعليمية قرب مكان نزوحها في حي الدرج.

لم تتردد، وألحقت ابنتها فورًا، برفقة شقيقتها الأصغر.

في يومها الأول، جلست تالا تحاول التكيّف مع الكتابة على ركبتيها، بصعوبة واضحة، لكنها كانت سعيدة؛ لأنها عادت إلى التعلم وتكوين صداقات جديدة. تبدأ يومها عند الثامنة صباحًا، وتغادر قبل الظهيرة، حاملة كراسة وشيئًا من الإحساس بالحياة الطبيعية.

طريق محفوف بالمخاطر

أما دانة العرايشي (11 عامًا)، فتجلس إلى جانب زميلتها، تتشاركان الدرس وتحاولان حل المسائل. لم يكن طريقها إلى التعليم سهلًا.

تقول لـ "فلسطين أون لاين": “كنت أضطر للسير مسافات طويلة وحدي، وسط شوارع تغمرها مياه الصرف الصحي، وكان الطريق مخيفًا”.

ورغم شعورها بالارتياح لقرب النقطة التعليمية حاليًا، فإنها لا تخفي معاناتها داخلها: “نحتاج إلى كراسٍ وسبورة… الجلوس على الأرض مرهق، ونقل الدروس من كراسة زميلتي قد يسبب أخطاء”.

محاولة للبدء من جديد

في أيام مختلفة، يصل حازم صبيح إلى الخيمة ذاتها، حاملاً حقيبة مدرسية مهترئة نجت من الحرب، في أول عودة له إلى التعليم منذ اندلاعها.

يعترف بصعوبة البداية: “نسيت أشياء كثيرة… القراءة والكتابة لم تعودا كما كانتا”.

اقرأ أيضًا: خيام التَّعليم في غزَّة … مبادرات تطوُّعيَّةً تسدُّ فراغ المدارس وتحذِّر من مخاطر التَّجهيل

تحاول والدته مساعدته يوميًا عبر الإملاء والتدريب، بينما يعبّر هو عن أمنيته البسيطة: “أريد أن أعود إلى مدرسة حقيقية… إلى مقعد وطاولة، لا إلى خيمة تغرق في المطر وتتحول إلى فرن في الحر”.

أرقام صادمة

ما يجري هنا ليس حالة فردية، بل صورة مصغّرة لأزمة تعليمية شاملة في قطاع غزة.

فبحسب تقديرات منظمتي اليونيسف والأونروا، تضرّر أو دُمّر نحو 90% من مدارس القطاع، في حين خرجت مئات المدارس عن الخدمة أو تحولت إلى مراكز إيواء.

ويُحرم أكثر من 660 ألف طفل من التعليم المنتظم، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 745 ألف طالب وطالبة، بمن فيهم طلاب الجامعات، خارج العملية التعليمية منذ اندلاع الحرب.

ورغم إنشاء نقاط تعليمية بديلة، لم يتمكن سوى نحو 100 ألف طالب من تلقي تعليم جزئي، في ظل نقص حاد في الإمكانات الأساسية، من مقاعد وسبورات وكتب.

وقد أدى هذا الانقطاع الطويل إلى فجوة تعليمية عميقة، خاصة في مهارات القراءة والكتابة والحساب، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على جيل كامل.

جيل يقاوم النسيان

ورغم كل شيء، لا يزال أطفال غزة يتمسكون بحقهم في التعلم. يجلسون على الأرض بدل المقاعد، ويكتبون على ركبهم بدل الطاولات، ويتلقون دروسهم داخل خيام بدل الصفوف.

في ساحة مدرسة مدمّرة، تولد كل صباح “مدرسة صغيرة” من القماش، يدخلها أطفال يحملون كراساتهم وأحلامهم البسيطة:

أن يعودوا يومًا إلى مدرسة حقيقية… جدرانها تحميهم، ومقاعدها تحتضنهم، وسبورتها لا تمحوها الحرب.

اخبار ذات صلة