لم يكن صراخ الطفل كريم، ذي الأعوام الخمسة، مجرد فزعٍ عابرٍ في ليلٍ ثقيل داخل خيمة مهترئة شرق بركة الشيخ رضوان بمدينة غزة، بل كان إعلانًا جديدًا عن معركةٍ صامتة تخوضها عائلته كل ليلة.
استيقظت والدته، المسنّة راوية حلاوة، على وقع الألم، لتجد ابنها قد تعرّض لعضة "جرذ" تسلل إلى داخل الخيمة، في مشهد بات يتكرر حدّ القسوة. سارعت الأم، بما توافر لديها من أدوات بدائية، إلى تضميد الجرح، محاولةً احتواء الخطر، لكن القلق ظلّ مفتوحًا على ليلةٍ أخرى مجهولة.
تقول حلاوة لـ "فلسطين أون لاين" إن الجرذان والفئران لم تعد طارئًا على حياتهم، بل أصبحت جزءًا من تفاصيلها اليومية، مشيرة إلى أن طفلها تعرّض أكثر من مرة لمحاولات عض في أثناء النوم. حولهم، تنتشر منازل مدمرة تحولت إلى بيئة خصبة لتكاثر القوارض، في حين تقف العائلات عاجزة عن المواجهة، مع غياب المبيدات وانعدام الإمكانات.
تعيش الأسرة، التي فقدت منزلها في جباليا، داخل خيمة لا تقي حرًا ولا بردًا، تتسرب إليها مياه الأمطار، وتتهددها الرياح في كل منخفض، في حين تتفاقم معاناتهم مع إصابة رب الأسرة وفقدان مصدر الدخل.
معركة لا تنتهي
لا تختلف هذه الحكاية كثيرًا عن غيرها في مخيمات النزوح. في مخيم الشاطئ غرب غزة، تصف وفاء موسى حياتها بأنها "معركة ليلية"، تخوضها لحماية أطفالها من القوارض التي بدأت بإتلاف الطعام والملابس، قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر.
تقول لـ"فلسطين أون لاين" إنها لم تعد تنام، تبقى مستيقظة طوال الليل تراقب أطفالها الذين لا تتجاوز أعمارهم ثلاث سنوات، خوفًا من أن تمتد إليهم أسنان الجرذان.
أما أنس أبو العمري، فيؤكد أن أطفاله الأربعة يستيقظون مرعوبين كل ليلة، بعد أن باتت القوارض تتسلل إلى داخل الخيمة رغم كل محاولات الحماية البدائية، لتصبح جزءًا من واقع يومي لا يمكن تجاهله.
خطر صامت يتسع
لم تعد هذه المعاناة فردية، بل تحولت إلى ظاهرة واسعة. صورة متداولة لطفلة تحمل عبارة صادمة عن هجوم "جرذ كبير" على رضيع داخل خيمته، أشعلت موجة غضب بين النازحين، الذين طالبوا بتدخل عاجل لإنقاذهم من كارثة تتفاقم بصمت.
ناشطون دعوا المؤسسات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، إلى التحرك الفوري، في ظل تزايد المخاطر الصحية الناتجة عن انتشار القوارض داخل المخيمات.
بيئة منهارة
تحذر بلديات قطاع غزة من تفاقم الأزمة، مشيرة إلى أن تراكم الركام وطفح مياه الصرف الصحي، إلى جانب بقايا الطعام والمياه الراكدة، شكّل بيئة مثالية لتكاثر القوارض بشكل غير مسبوق.
وتؤكد أن هذه القوارض لا تكتفي بالإزعاج، بل تخلّف فضلات تختلط بالمياه، ما يساهم في انتشار بكتيريا خطيرة قد تسبب أمراضًا جلدية معدية، خاصة في بيئة تفتقر لأبسط مقومات النظافة.
اقرأ أيضًا: حشرات تحاصر الخيام.. أرق وأمراض تنهك نازحي غزة
وتزداد المخاطر مع نقص وسائل المكافحة، إذ يعاني القطاع من غياب المبيدات منذ نحو عامين، إلى جانب محدودية الفحوصات المخبرية، وصعوبة تتبع الأمراض في ظل ضعف الإمكانيات.
كما تسهم أزمة الصرف الصحي المستمرة، واعتماد حلول بدائية لتصريف المياه، في خلق بيئة إضافية للحشرات والبعوض، ما يعمّق من تعقيد المشهد الصحي والبيئي.
في ظل هذا الواقع، يواجه أكثر من مليوني فلسطيني خطرًا بيئيًا وصحيًا متصاعدًا، بينما تتحول الخيام من ملاذ مؤقت إلى بيئة غير آمنة، لا تحمي ساكنيها من قسوة الطبيعة ولا من تهديدات الزواحف والقوارض.
وبين ليلٍ يزداد ثقلاً، وخيامٍ لا تصدّ خطرًا، تبقى القوارض خصمًا صامتًا يلاحق العائلات، ويحوّل نومها إلى يقظة دائمة، في معركة يومية لا تملك فيها سوى الصمود.