عند قراءة تاريخ الصراع مع إسرائيل، يتبين للباحث أن المعارك التي خاضتها الدول العربية على مدار العقود الماضية كانت تخضع لقواعد اشتباك مختلفة تماماً عن تلك التي تحكم المواجهة الحالية بين إيران وحلفائها من جهة، وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى. ففي حين دخلت الجيوش العربية النظامية حروباً تقليدية سريعة، انتهت في معظمها إلى هزائم عسكرية أو تسويات سياسية مريرة، نجد اليوم أن إيران تدير صراعاً من نوع مغاير، قوامه الصبر الاستراتيجي، وبناء قدرات ردع غير تقليدية، واستنزاف العدو على جبهات متعددة.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة اختلاف جوهري في مفهوم "قواعد الاشتباك". فالعرب، رغم امتلاكهم أحياناً للتفوق العددي والتسليحي، كانوا أسرى لمعادلة هشة: حروب تقليدية مكشوفة، وتبعية للدعم الخارجي، وقابلية للضغوط الدبلوماسية التي كانت تفرض وقف إطلاق النار قبل تحقيق النصر الحاسم. أما إيران، فقد استوعبت دروس الماضي، خاصة ما حققه حزب الله في لبنان عام 2000 و2006، حيث أثبت أن امتلاك إرادة صلبة، واستراتيجية دفاعية متكاملة، وترسانة صواريخ قادرة على توجيه ضربات مؤلمة، يمكن أن يفرض على إسرائيل معادلة ردع جديدة لم تعتد عليها.
نحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على الفوارق الجوهرية بين المنازلات العربية السابقة والمنازلة الإيرانية الحالية، ونركز على ثلاث محاور رئيسية: طبيعة الأطراف وأولوياتها، مفهوم الإعداد والاستعداد للصراع، وفلسفة الردع التي تحكم كل طرف. من خلال هذه المقارنة، سنحاول فهم سبب نجاح إيران ، و فشل الدول العربية، وما إذا كانت قواعد الاشتباك مع إسرائيل قد تغيرت بالفعل بشكل دائم، أم أن معادلات الردع ما زالت رهناً بعوامل متغيرة في المنطقة.
أولاً: طبيعة الأطراف – "الدول القومية" مقابل "محور المقاومة"
في المنازلات السابقة (العرب ضد إسرائيل):
كان الطرف العربي عبارة عن تحالفات هشة من الدول القومية (مصر، سوريا، العراق، الأردن). هذه الدول كانت تعاني من:
· تباين المصالح: لم تكن هناك رؤية موحدة؛ فمصر كانت تتبنى القومية العربية بينما كانت سوريا تسعى لقيادة إقليمية، وكانت الأردن تخشى توسع الصراع على حساب استقرارها.
· الرهان على الدعم الخارجي: اعتمدت هذه الدول بشكل كبير على التسليح من الاتحاد السوفيتي، مما جعلها رهينة للمستجدات في الحرب الباردة.
· قابلية للاختراق: لم تمتلك هذه الدول منظومة صلبة من الردع الداخلي، مما جعلها عرضة للضغوط الدبلوماسية والاقتصادية الغربية لإنهاء الحروب قبل تحقيق النصر الحاسم (كما حدث بعد حرب أكتوبر 1973، حيث تحول النصر العسكري إلى تسوية سياسية).
في المنازلة الحالية (إيران ضد أمريكا وإسرائيل):
إيران تقدم نفسها ليس كدولة تقليدية فحسب، بل كـ "محور مقاومة" يمتد من طهران إلى بغداد وبيروت وصنعاء . هذا المحور يتميز بـ
· وحدة المصير: الأطراف في هذا المحور (الحرس الثوري، حزب الله، الحوثيون، الحشد الشعبي) تعمل بمنطق "الجبهة الموحدة" وليس بمنطق السيادة الوطنية المتناقضة.
· بناء قدرات داخلية: إيران لم تعتمد على طرف خارجي لتسليحها؛ بل بنيت صناعة عسكرية محلية (صواريخ باليستية، طائرات مسيرة) جعلتها بمنأى عن الحصار والعقوبات.
ثانياً: الإعداد الاستراتيجي – "الردع" مقابل "المناورة"
العرب (في حروب 1948، 1956، 1967):
دخلت الدول العربية حروبها مع إسرائيل في غياب تام لمفهوم الردع الاستباقي.
· كان الدخول في الحرب غالبًا بدوافع سياسية أو شعورية أكثر منها عسكرية محسوبة.
· غابت الرؤية طويلة المدى؛ فكانت الهدنة تُقبل بسرعة دون تغيير المعادلة على الأرض.
· استثناء (حرب أكتوبر 1973): هنا كانت هناك إعدادات جيدة من قبل مصر وسوريا، ولكن القيادة السياسية لم تستثمر النصر العسكري الأولي لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى، بل تم التورط في التفاوض تحت الضغط الأمريكي المباشر.
إيران (منذ 2006 وحتى الآن):
إيران استعدت لهذه المنازلة على مدار أكثر من عقدين عبر استراتيجية واضحة المعالم:
· بناء العمق الجغرافي: من خلال دعم حزب الله في لبنان بعد انسحاب إسرائيل عام 2000، وتثبيت الحشد الشعبي في العراق، وتمكين الحوثيين في اليمن للضغط على المصالح الإسرائيلية والأمريكية في البحر الأحمر.
· اقتصاد المقاومة: رغم العقوبات القاسية، طورت إيران اقتصادًا يعتمد على الاكتفاء الذاتي الجزئي، لتتمكن من تحمل تكاليف حرب طويلة الأمد.
· التسليح غير المتماثل: عوضًا عن مواجهة الأسطول الأمريكي أو سلاح الجو الإسرائيلي في معركة تقليدية مكشوفة، اعتمدت على ترسانة ضخمة من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة التي تُشكل "طوفانًا" لا تستطيع أنظمة الدفاع الاعتراضية اعتراضه بالكامل.
ثالثاً: العامل المعنوي والإرادة – "التوكل على الذات" مقابل "الانهيار النفسي"
هذه النقطة هي الأكثر جوهرية في التحليل.
الحالة العربية سابقًا:
عانت الجيوش العربية النظامية من "عقدة النقص" تجاه إسرائيل، خاصة بعد نكسة 1967.
· كانت هناك فجوة بين الخطاب السياسي الحاد والواقع الميداني الهش.
· الانهيار كان يحدث غالبًا على المستوى القيادي قبل الميداني؛ فالقرار بالانسحاب أو قبول وقف إطلاق النار كان يأتي من القمة خوفًا من التصعيد الدولي، وليس بسبب الانهيار العسكري الكامل دائمًا.
إيران وحلفاؤها (حزب الله نموذجًا):
إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، بنت خطابها على أن الصراع هو صراع عقائدي وجودي، وليس صراع حدود أو أراضٍ.
· نموذج حزب الله 2000 و2006: عندما استطاع حزب الله إجبار إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 دون شروط، ثم صمد في حرب تموز (يوليو) 2006 رغم التدمير الهائل، تحولت هذه المعركة إلى "مدرسة" في كيفية هزيمة جيش نظامي متطور باستخدام الإرادة والإعداد المسبق والهندسة الدفاعية والصواريخ.
· التوكل والإعداد المادي: إيران درست واقع الأمة وضعفها كما درست قوة العدو وغطرسته، شخصت نقاط الضعف فيه مستلهمة الدروس من نجاح حزب الله في هزيمته. اليوم، باتت إيران تمتلك ترسانة صاروخية قادرة على توجيه ضربات متتالية لشل الاقتصاد الإسرائيلي، وهي لا تضع "المنازلة" في إطار حرب واحدة تنتهي بتوقيع اتفاق، بل في إطار "نزاع استنزاف طويل الأمد" تستنزف فيه العدو وتفرض شروطًا وواقعًا جديدًا لم تآلفه المنطقة من قبل .
رابعاً: النتائج – من الهزيمة السريعة إلى الردع الطويل
مع العرب:
باستثناء تحقيق مكاسب محدودة في 1973، كانت النهاية دائمًا لصالح إسرائيل، التي فرضت واقعًا استيطانيًا وعسكريًا لا يمكن الرجوع عنه. تفكك الجبهة العربية بعد ذلك وصولًا إلى "اتفاقات التطبيع" التي حولت الصراع من "صراع وجودي" إلى "صراع مصالح" تم حسمه لصالح إسرائيل.
مع إيران (وحزب الله):
حققت إيران وحلفاؤها ما لم يحققه العرب مجتمعين في حروبهم السابقة: فرض الردع. إسرائيل اليوم تدرك أن أي حرب واسعة مع إيران ستكون مكلفة جدًا على المجتمع الإسرائيلي، وستشمل جبهات متعددة (لبنان، اليمن، العراق). هذا الردع هو ثمرة "الإعداد المستمر" و"توحيد الجبهات" و"الاستعداد للتضحية العالية"، وهو ما كان مفقودًا في التجارب العربية السابقة.
خامساً: البعد الدولي – تخبط أمريكا ومأزق إسرائيل
ما يميز المنازلة الحالية عن سابقاتها هو البعد الدولي الذي كشف عن أزمة ثقة غير مسبوقة في المعسكر الغربي، وأظهر أن معادلات القوة القديمة لم تعد كما كانت.
1. تخبط أمريكا: من "الردع الاستباقي" إلى "إدارة الفشل"
بدت الإدارة الأمريكية في بداية التصعيد وكأنها تمتلك سقف طموح غير محدود، متوعدة بـ "عقوبات لم تشهدها إيران من قبل" وبدعم غير محدود لإسرائيل، مؤكدة على تفوقها العسكري المطلق. لكن سرعان ما تحول هذا الخطاب إلى واقع مغاير:
· فشل في تشكيل التحالف: عجزت أمريكا عن تشكيل تحالف إقليمي متماسك مشابه لما حدث في حروب سابقة، حيث رفضت دول حلف الناتو مشاركة الحرب الصهيوامريكية ضد ايران .
· عجز عن فرض المعادلة القديمة: لم تستطع واشنطن فرض "قواعد اشتباك" جديدة، بل اضطرت عمليًا للقبول بقواعد اشتباك فرضتها إيران على الأرض، مضمونها: "إن ضربتم منشآتنا النووية، فسنتعامل مع وجودكم العسكري في المنطقة برمته".
· التصريحات المتناقضة: عكست التصريحات المتضاربة الصادرة عن البيت الأبيض - بين من يدعو إلى ضربة استباقية ومن يخشى الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة - ارتباكًا في غرفة القرار الأمريكي لم يسبق له مثيل منذ حرب فيتنام.
2. مأزق إسرائيل: انهيار نظرية "الجيش الذي لا يقهر"
بالنسبة لإسرائيل، هذه المنازلة مثلت اختبارًا وجوديًا لـ "هيبة الردع" التي شكلت جوهر استراتيجيتها الأمنية منذ عام 1948. المأزق الإسرائيلي يتلخص في ثلاثة جوانب:
· فشل منظومة الدفاع الجوي: لأول مرة، أثبتت ترسانة الصواريخ والمسيرات الإيرانية قدرتها على إرباك وتحييد جزء كبير من قدرات "القبة الحديدية" و"السهم"، مما يعني أن معادلة "أمن المستوطنات" أصبحت مهددة بشكل دائم.
· الجبهة الداخلية: انكشفت الهشاشة النفسية والاقتصادية للمجتمع الإسرائيلي. فالاعتماد على الاقتصاد القائم على الاستثمارات الأجنبية والسياحة جعله شديد التأثر بأي تصعيد طويل الأمد.
· الردع المضاد: خسرت إسرائيل معادلة "الردع المطلق" التي كانت تفرضه عبر التفوق الجوي والتكنولوجي. اليوم، أصبح الردع قائمًا على المعادلة الإيرانية: "لن نشن حربًا شاملة ما لم تُمس أراضينا بشكل مباشر". وهذا يعني أن إسرائيل أصبحت مرغمة على الدخول في صراع غير متماثل مع خصم يتحكم في توقيت المعركة وزمنها.
3. صمود إيران: العامل الجيوسياسي والاقتصادي كسلاح حاسم
ما تمت الإشارة إليه حول التحكم بمضيق هرمز وعجز الترسانة الأمريكية عن تقديم حل هو نقطة جوهرية في فهم تحول ميزان القوة. إيران أظهرت أن امتلاك القوة العسكرية الصلبة (Hard Power) ليس كافيًا إذا لم يكن مقرونًا بقوة السيطرة على المصالح الحيوية للاقتصاد العالمي.
· تعطيل تحالف الناتو: فشلت أمريكا في استدراج حلفائها الأوروبيين لدخول الحرب، ليس فقط لاعتبارات سياسية، بل لأن أوروبا أدركت أن أي حرب مع إيران تعني انفجارًا في أسعار الطاقة وانهيار سلاسل الإمداد في البحر الأحمر والخليج العربي، وهو ثمن لا تستطيع تحمله في ظل أزماتها الداخلية.
· عامل الزمن: إيران راهنت على استراتيجية "الصبر الاستراتيجي" التي أشرنا إليها سابقًا. من خلال إطالة أمد الصراع دون الدخول في مواجهة شاملة، استطاعت إيران أن تظهر للعالم أن المعادلة تغيرت: لم تعد أمريكا وإسرائيل هما من يحددان متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.
· وعي الشعب: الرهان على الوعي الشعبي الداخلي وقدرة المجتمع الإيراني على تحمل تكاليف الحصار والعقوبات أظهر أن الصمود ليس عسكريًا فقط، بل مجتمعيًا أيضًا، وهو ما شكل مفاجأة غير متوقعة للخطط الغربية التي راهنت على انهيار داخلي سريع.
الخلاصة: تغير قواعد اللعبة إلى الأبد؟
ما نراه اليوم هو الانتقال من مرحلة "هزيمة الجيوش" التي كانت سمة الحروب العربية الإسرائيلية، إلى مرحلة "هزيمة المشاريع"..المشروع الإسرائيلي القائم على التوسع والهيمنة الأمنية، والمشروع الأمريكي القائم على السيطرة الأحادية على المنطقة*، حيث وجدا نفسيهما أمام مشروع إيراني صلب يعتمد على:
1. جغرافيا ممتدة: من ايران إلى اليمن ومن لبنان إلى العراق .
2. اقتصاد مقاوم: قادر على تحمل الحصار.
3. وحدة جبهة: نادرة في التاريخ العربي الحديث.
4. تحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي: من خلال المضايق البحرية وسلاسل الإمداد.
الفرق الجوهري هو أن العرب دخلوا حروبهم بمنطق "الدولة القومية" التي تخشى الخسارة وتتطلع للدعم الخارجي وتعاني من التبعية السياسية، بينما إيران دخلت هذه المنازلة بمنطق "محور عقائدي" استعدت له عبر عقود من بناء قوة صلبة (مادية ومعنوية) وخلق معادلات ردع جديدة غير تقليدية.
نموذج حزب الله في عام 2000 و2006 كان البروفة الحقيقية لهذه الاستراتيجية، حيث أثبت أن الإعداد المسبق، والتوكل على الذات أولاً قبل الدعم الخارجي، ووحدة الصف، هي التي تصنع النصر، وليس مجرد امتلاك جيش نظامي تقليدي. إيران اليوم تطبق هذه الاستراتيجية نفسها ولكن على نطاق إقليمي أوسع.
الأهم من ذلك، أن إيران استطاعت أن تثبت أن الردع لم يعد حكرًا على من يمتلك التكنولوجيا العسكرية المتقدمة فقط، بل لمن يمتلك القدرة على إدارة الأزمات الطويلة و استثمار نقاط ضعف العدو (الاقتصادية والنفسية) إلى نقاط قوة في معادلة الصراع.
هذا التحول في قواعد الاشتباك يعني أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التوازن، حيث لم تعد إسرائيل وأمريكا قادرتين على فرض شروطهما عبر حروب سريعة وحاسمة، بل أصبحتا أمام معادلة "الردع المتبادل" التي كانت إيران وحلفاؤها هم الأكثر استعدادًا لها واستعدادًا لتحمل تكاليفها. وما تخبط أمريكا اليوم وتراجعها عن تهديداتها، وما يعيشه الكيان الصهيوني من مأزق وجودي، ليس سوى دليل على أن معادلات الردع القديمة قد انتهت، وأن قواعد الاشتباك الجديدة أصبحت تُكتب اليوم في طهران.