بين ركام منزلها المدمر في مدينة غزة، كانت الشابة رهف محيسن تبحث عن خيوطٍ لم تنقطع تمامًا، تحاول أن تمسك بها لتعيد حياكة حلمها الصغير الذي كاد أن يندثر تحت وطأة الحرب.
لم يكن طريق العودة سهلًا؛ فالحرب الإسرائيلية لم تترك لها سوى ذكريات مشروعها "لمسات فنية"، بعد أن دمرت منزل عائلتها وأفقدتها أدواتها ومشغولاتها، لتجد نفسها نازحة في ظروف معيشية قاسية، بلا مصدر دخل أو استقرار.
لكن شغفها بفن الكروشيه، الذي بدأ كهواية تعلمته ذاتيًا عبر الإنترنت، ظل حيًا بداخلها. تقول رهف لـ "فلسطين أون لاين": "في البداية كان التعلم صعبًا، لكن مع الوقت أصبحت أُتقن العمل، وبدأت أنتج مشغولات نالت إعجاب من حولي".

قبل الحرب، كان لمشروعها زاوية خاصة في منزل العائلة، تقضي فيها ساعات طويلة في إنتاج قطع يدوية لزبائنها، الذين يتابعونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من محيطها القريب.
غير أن الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب، إذ نزحت مع عائلتها مرات عدة، وفقدت كل ما تملك، بما في ذلك أدوات مشروعها ومنتجاته.
وعقب عودتها إلى غزة، بدأت رحلة البحث بين الأنقاض، علّها تعثر على ما يمكن إنقاذه. وبالفعل، تمكنت من استعادة بعض الأدوات وبقايا المشغولات، لتقرر البدء من جديد، رغم كل الصعوبات.

تقول رهف: "إعادة المشروع أعادت لي شيئًا من الحياة، حتى لو بشكل بسيط".
لكن العمل لم يكن ميسورًا؛ فشح المواد الخام وارتفاع أسعارها، إلى جانب انقطاع الكهرباء والإنترنت، شكلت عوائق كبيرة أمام الإنتاج والتسويق.
وللتغلب على ذلك، لجأت رهف إلى حلول بديلة، فاستخدمت كراتين المساعدات الغذائية بدلًا من البلاستيك والخشب لصناعة مستلزمات العرائس المطرزة، كما أعادت تدوير بقايا الأقمشة التي عثرت عليها تحت الأنقاض.
هذا الإصرار لم يمر دون دعم، إذ لاقت تشجيعًا من محيطها، وبدأت تتلقى طلبات على مشغولاتها، خاصة تلك المستخدمة في جلسات تصوير العرائس، إلى جانب قطع تزيّن ما تبقى من المنازل المدمرة، وتضفي لمسة من الحياة وسط الركام.

في الجزء الأوسع من الحكاية، تبدو قصة رهف انعكاسًا لواقع آلاف الشبان والشابات في غزة، الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم بوسائل بسيطة، في ظل حصار مستمر وواقع اقتصادي هش.
ورغم ساعات العمل الطويلة، والتكاليف المرتفعة، ترى رهف في مشروعها أكثر من مجرد مصدر رزق؛ إنه محاولة لاستعادة ذاتها، وإثبات قدرتها على الاستمرار.
تقول بابتسامة خجولة: "مشروعي الصغير هو بداية رجوعي للحياة... حتى لو كانت الحياة صعبة".

