قائمة الموقع

من تحت الركام… مصعب يكتب حياةً جديدة بعقد قران

2026-03-25T09:57:00+02:00
الأسير المحرر مصعب مدوخ
فلسطين أون لاين

بين جدرانٍ متصدّعة وصمتٍ يثقل المكان، وقف مصعب مدوخ يحدّق في صورةٍ معلّقة لعائلته الراحلة، يطيل النظر كأنّه يستعيد بها حياةً كاملة. لم يكن المشهد وداعًا بقدر ما كان وعدًا صامتًا بأن ما انكسر لن يكون نهاية الحكاية.

في ركام منزلٍ لم يعد يشبه سوى ذاكرة مثقلة بالفقد، يعود الأسير المحرر مصعب مدوخ إلى نقطة البداية، محاطًا بغيابٍ لا يُحتمل. ملامحه تختزن عامًا طويلًا من الألم، لكنه يصرّ بصوتٍ ثابت على أن الحياة لا تتوقف، وأن الإرادة قادرة على شق طريقها حتى في أقسى اللحظات.

في الثامن عشر من مارس/آذار 2024، اعتُقل مصعب داخل مجمّع الشفاء الطبي، خلال اقتحام قوات الاحتلال للمكان. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة أسر استمرت عامًا وثمانية أشهر، غاب خلالها عن كل ما يعرفه ويحبّه.

وعندما أُفرج عنه في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تكن عودته كما تخيّلها يومًا. عاد إلى منزلٍ خالٍ من الحياة، يلفّه صمت ثقيل، وتتناثر فيه الذكريات كأشباحٍ في كل زاوية.

يروي مصعب تفاصيل الفاجعة التي غيّرت مسار حياته بالكامل. ففي التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2024، وخلال توغّل قوات الاحتلال في منطقة تل الهوى، تعرّض منزل العائلة لاستهداف مباشر بصاروخ دمّر المبنى بالكامل.

في تلك اللحظات، كان قد غادر المنزل قبل دقائق قليلة بحثًا عن مكانٍ أكثر أمانًا، دون أن يدرك أن تلك الخطوات القليلة ستفصل بينه وبين عائلته إلى الأبد.

في ذلك الهجوم، فقد زوجته وأطفاله الخمسة: منّة الله (16 عامًا)، وبشير (14 عامًا)، ومحمد (6 أعوام)، وسهير (7 أعوام)، وحمزة (4 أعوام)، إلى جانب أربعة عشر فردًا آخرين من عائلته. خسارة لا تُقاس بالأرقام، بل بانطفاء عالمٍ كامل كان يشكّل معنى حياته.

لكن، وعلى خلاف ما قد يُتوقع، لم تتوقف الحكاية عند هذا الحد.

في يوم عقد قرانه من جديد، لم يكن مصعب يبدأ حياة أخرى بقدر ما كان يحاول ترميم ما تبقى منه. وقف مستحضرًا ذكرى عائلته، مؤكدًا أنهم حاضرون في تفاصيل يومه، كما كانوا دائمًا.

قال بخشوع إنهم لن يغيبوا عنه ما دام حيًا، وإن دعاءه لهم لن ينقطع، سائلًا الله أن يجمعه بهم في مستقر رحمته، وأن تكون هذه البداية امتدادًا لصبرهم ورضاهم.

لا ينكر مصعب ألمه، لكنه يرفض أن يُهزم به. يرى في الاستمرار شكلًا من الوفاء لمن فقدهم، وفي بناء حياة جديدة رسالة بأن الفقد، مهما كان قاسيًا، لا يستطيع إيقاف نبض الحياة.

ويؤكد أن ما حدث لن يثنيه عن المضي قدمًا، وأن هذه المأساة، رغم قسوتها، لن تكسر إرادته، بل ستبقى ذكرى ترافقه في كل خطوة، تمنحه قوة على الاستمرار.

لم تعد الذكريات بالنسبة له مجرد حنين، بل تحوّلت إلى دافعٍ داخلي يمنحه القدرة على الصمود. وبينما تحوّل المنزل إلى ركامٍ صامت، يرفض أن يكون هذا الركام نهاية الحكاية.

هكذا يختصر مصعب تجربته: الحياة لا تعني إنكار الألم، بل الاستمرار رغم وجوده. من تحت الأنقاض، يختار أن يبدأ من جديد، مؤمنًا بأن ما انكسر يمكن أن يُبنى، وأن الأمل، مهما تضاءل، يظل الخيار الوحيد الممكن.

اخبار ذات صلة