في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ"يوم المياه العالمي" تحت شعارات العدالة في الوصول إلى المياه، تبدو الصورة في قطاع غزة مقلوبة تمامًا؛ هنا لا تصل المياه إلى البيوت، بل يسير الناس إليها، حاملين أثقالها على أكتافهم، في رحلة يومية تختصر واحدة من أقسى صور المعاناة الإنسانية.
في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، تبدأ هدير اسليم (27 عامًا) يومها قبل شروق الشمس، ليس للعمل أو الدراسة، بل للوقوف في طابور طويل بانتظار وصول المياه، التي لا تتدفق عبر الشبكة سوى مرتين أسبوعيًا. تمسك بجالونين سعة 16 لترًا، وتعود بهما إلى منزلها المتضرر، حيث تعيش مع أسرتها. رحلة تبدو اعتيادية، لكنها كلّفتها تمزقًا في أوتار يدها قبل أشهر، تاركة ألمًا دائمًا لا يغيب، لكنها تواصل حمل المياه، لأن البديل هو العطش.
في الطابق الثاني من المنزل، تتقاسم هدير وأخواتها مهمة رفع المياه، التي بالكاد تكفي للاستخدامات الأساسية. تقول إن ما يجمعنه لا يكفي سوى لغسل الأواني وبعض الملابس والوضوء، بينما تظل بقية الاحتياجات معلقة بانتظار يوم الماء التالي
أما شقيقتها ليلى (34 عامًا)، فتخوض رحلة مختلفة، لكنها لا تقل مشقة. تقطع مسافات طويلة يوميًا للوصول إلى محطة تحلية المياه الوحيدة في المنطقة، ثم تعود حاملة جالون ماء للشرب. تكرر هذه الرحلة بشكل شبه يومي، رغم ما يسببه ذلك من آلام حادة في الظهر وإرهاق مستمر، لكنها تؤكد أن "مياه الشرب لا يمكن الاستغناء عنها مهما كان الثمن".
وفي شارع الوحدة، تتجسد القصة بوجه أكثر قسوة. الطفل لؤي المصري (6 أعوام) لا يحمل حقيبته المدرسية، بل جالون ماء. يعيش مع عائلته في خيمة بعد تدمير منزلهم، ويخرج صباحًا ليعود مساءً محنيّ الظهر تحت ثقل 10 لترات من الماء. يتعثر، يسقط، ينسكب الماء، ثم يحاول مجددًا ودموعه تسبقه. حوله، أطفال آخرون يخوضون الرحلة ذاتها، كلٌّ يحمل عبئه بصمت.
تقول سامية سليمان، وهي أم نازحة من بيت لاهيا لصحيفة "فلسطين": "المياه صارت بدها مجهود أكثر من الأكل. ممكن نتحمل الجوع، لكن ما بنقدر نتحمل العطش". تضيف أن أطفالها باتوا يعرفون طريق الماء أكثر من طريق المدرسة، في إشارة تختصر تحوّل الأولويات القسري في حياتهم.
وتكشف الأرقام حجم الكارثة؛ إذ تقضي النساء والفتيات في غزة ما بين 6 إلى 8 ساعات يوميًا في جلب كميات محدودة من المياه، في وقت تراجع فيه إنتاج المياه من نحو 300 ألف متر مكعب يوميًا قبل الحرب إلى أقل من 120 ألفًا، بعجز يتجاوز 60%. كما دُمّر نحو 85% من مرافق المياه والصرف الصحي.
ولا يحصل الفرد في غزة اليوم إلا على ما بين 3 إلى 15 لترًا من المياه يوميًا، معظمها غير صالح للشرب، فيما لا يتجاوز نصيبه من المياه الصالحة للشرب لترين فقط، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الموصى به في حالات الطوارئ
تحت هذه الأرقام، تختبئ حكايات لا تُحصى من التعب والانتظار، حيث تتحول كل قطرة ماء إلى جهد مضاعف، وكل يوم إلى معركة جديدة مع العطش.
في غزة، لم يعد الماء مجرد خدمة أساسية، بل اختبار يومي للصمود. وبينما يحتفي العالم بالمياه، يواصل سكان القطاع رحلتهم الشاقة نحوها، حاملين على أكتافهم عبء الحياة نفسها.