في ظل المشهد السياسي الإقليمي المُعقد، يبدو أن نهاية الحرب على قطاع غزة بعيدة المنال في الوقت الراهن، رغم التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار يتكون من 20 بنداً، برعاية أمريكية ومصرية وقطرية، والإعلان شكلياً عن الدخول في المرحلة الثانية منه.
ومن الواضح أن المسار الذي تتبعه حكومة الاحتلال الإسرائيلي لا يشير إلى رغبة حقيقية في إنهاء الحرب بقدر ما يعكس توجهاً واضحاً لإدارتها على مراحل، وفق إيقاع يخدم أهدافها الاستراتيجية، ويمنحها الوقت لإعادة ترتيب أولوياتها الميدانية والسياسية.
طالع المزيد: محلِّلون: خروقات الاحتلال تعكس رغبة نتنياهو في إفشال اتِّفاق وقف النَّار
ومنذ اندلاع حرب الابادة، اعتمدت (إسرائيل) سياسة تقوم على استخدام التهدئة كأداة تكتيكية، تُخفف من الضغوط الدولية حيناً، وتعيد تموضع قواتها حيناً آخر، دون الالتزام الفعلي بمضامين أي اتفاق. وفي ظل هذا الواقع، باتت (إسرائيل) أكثر جرأة في التنصل من التزاماتها، وأكثر اندفاعاً نحو فرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدة من حالة الانشغال الدولي والانقسام الإقليمي.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن سياسة المماطلة الإسرائيلية ليست جديدة، بل سبقت التصعيد الإقليمي الأخير، حيث سعت (إسرائيل) منذ البداية إلى التملص من التزامات وقف إطلاق النار، عبر محاولة تحويلها إلى التزامات فلسطينية أحادية، دون الالتزام بفتح المعابر أو وقف الخروقات أو الانسحاب من المناطق المتفق عليها.

الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش
ويوضح أبو غوش لصحيفة "فلسطين"، أن هذا السلوك جاء في ظل غطاء سياسي أمريكي واضح، حيث جرى الترويج لرواية تحميل المقاومة المسؤولية عن تعثر الاتفاق، بالتوازي مع طرح شروط إضافية، مثل نزع سلاح المقاومة، وهو ما يعكس – وفق تقديره – محاولة (إسرائيل) فرض وقائع جديدة تتجاوز جوهر أي اتفاق تهدئة.
ومع تصاعد التوتر الإقليمي، خاصة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يشير أبو غوش إلى تحول في الخطاب الإسرائيلي، حيث تسعى (تل أبيب) إلى ربط ساحات المقاومة في غزة ولبنان بإيران، لتصويرها كأدوات إقليمية، ما يمنحها – من وجهة نظرها – شرعية أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية.
ويبين أن (إسرائيل) نجحت إلى حد كبير في "تبييض صفحتها" أمام قطاعات من المجتمع الدولي، عبر إعادة تقديم نفسها كطرف ينفذ إرادة المجتمع الدولي في مواجهة "الخطر الإيراني"، الأمر الذي أدى إلى تراجع التركيز على الجرائم المرتكبة في غزة، وأخرجها نسبيًا من دائرة الاتهام بالإبادة، وهو ما يشجعها على المضي قدمًا في عدوانها.
ويحذر أبو غوش من أن هذا الواقع يمنح (إسرائيل) فرصة للاستفراد بالفلسطينيين، مستفيدة من انشغال العالم بأزمات أخرى، مشددًا على أن مواجهة هذا التحدي تتطلب إعادة توحيد الموقف الفلسطيني، وتكثيف الجهود لإعادة تسليط الضوء على القضية الفلسطينية باعتبارها محور الاستقرار في المنطقة.
ويلفت إلى أن (إسرائيل)، رغم استمرارها في الخروقات، لا تملك في الوقت الراهن القدرة على خوض حرب شاملة على عدة جبهات في آن واحد، ما يدفعها إلى تأجيل بعض العمليات الكبرى في غزة، دون أن يعني ذلك وقف الحرب فعليًا، بل إدارتها بوتيرة مختلفة.
من جانبه، يؤكد مدير مركز "يبوس" للاستشارات والدراسات الاستراتيجية سليمان بشارات أن (إسرائيل) تتعامل مع التهدئة كمرحلة لإدارة الصراع، وليس لإنهائه، مستشهدًا بتجربتها في جنوب لبنان، حيث استمرت الخروقات رغم اتفاقات وقف إطلاق النار لفترات طويلة.

مدير مركز "يبوس" للاستشارات والدراسات الاستراتيجية سليمان بشارات
ويشير بشارات خلال لـ"فلسطين"، إلى أن النموذج ذاته يتكرر في غزة، حيث لم يلتزم الاحتلال ببنود المرحلة الأولى من التهدئة، كما تهرب من الانتقال إلى المرحلة الثانية، في إطار سعيه لتحقيق هدفين رئيسيين: فرض واقع جديد يكرّس السيطرة الإسرائيلية الكاملة على القطاع، وتفكيك البنية التحتية لفصائل المقاومة بما يضمن عدم تحول غزة إلى مصدر تهديد مستقبلي.
ويقول إن (إسرائيل) تحاول استغلال وقف إطلاق النار كغطاء لفرض معادلة سياسية وأمنية جديدة، تقوم على منع وجود أي عنوان سياسي فلسطيني في القطاع، وهو ما يتماشى مع رؤيتها الأوسع القائمة على الضم والسيطرة، ويتناقض مع أي مسار حقيقي للحل السياسي.
طالع المزيد: حقوقي: الإبادة في غزة مستمرة "بأدوات أقل صخبًا" رغم وقف إطلاق النار
وبحسب بشارات، فإن تعقيد المشهد الإقليمي، خاصة في ظل تداخل الملفات من غزة إلى إيران ولبنان، يجعل من الصعب الحديث عن اتفاق نهائي في المدى القريب، إذ ترتبط نتائج الحرب الجارية في الإقليم بشكل مباشر بمستقبل قطاع غزة.
ويختم بالقول إن أي حل حقيقي يتطلب معالجة شاملة لكافة الملفات، وليس الاكتفاء بترتيبات جزئية أو مؤقتة، مشيرًا إلى أن استمرار ربط المسارات ببعضها البعض قد يطيل أمد الحرب، ويجعل من التهدئة مجرد محطة ضمن صراع مفتوح.
وتكشف هذه المعطيات أن (إسرائيل) تمضي في استراتيجية تقوم على إطالة أمد الحرب وإدارتها بدل إنهائها، مستفيدة من التحولات الإقليمية والدعم الدولي، في مقابل واقع فلسطيني يواجه تحديات مركبة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات وبناء موقف موحد قادر على كسر هذه المعادلة.

