تتصاعد المخاوف في الأوساط الحقوقية والسياسية من تنامي مؤشرات على وجود مخططات تستهدف تهجير سكان قطاع غزة إلى خارج الأراضي الفلسطينية، مع وجود تقارير متزايدة تتحدث عن نقل فلسطينيين إلى دول آسيوية وإفريقية عبر ترتيبات غير واضحة المعالم.
وتأتي هذه التطورات في سياق الحرب المستمرة وما خلّفته من أوضاع إنسانية غير مسبوقة، دفعت آلاف العائلات إلى البحث عن سبل للخروج من القطاع، ما يثير تساؤلات جدية بشأن استغلال هذه الظروف لفرض واقع ديموغرافي جديد على الأرض.
وبحسب معطيات نشرها تحقيق لموقع "أسوشيتد برس"، فإن عمليات نقل بعض الفلسطينيين من غزة جرت في ظل غياب معلومات كافية لدى المسافرين حول الجهات التي تقف وراء تنظيم هذه الرحلات، ما يعزز الشكوك بشأن طبيعتها وأهدافها.
طالع المزيد: أسوشيتد برس: مجموعة استيطانيَّة نظَّمت رحلات غامضةً لإجلاء غزيين بشكل سرِّيّ
كما تشير تقارير إلى أن بعض هذه العمليات تمت بغطاء رسمي غير مباشر، من خلال مشاركة أو تسهيل عناصر مرتبطة بالاحتلال، الأمر الذي يضفي عليها طابعًا من التنظيم الممنهج، ويُخرجها من إطار المبادرات الفردية أو الإنسانية.
في هذا السياق، يرى حقوقيون، في أحاديث منفصلة لصحيفة "فلسطين"، أن ما يجري لا يمكن فصله عن سياسات أوسع تهدف إلى إفراغ قطاع غزة من سكانه تدريجيًا.
ويقول عصام يونس، مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إن "هذه التحركات، وإن بدت في ظاهرها استجابة لأزمة إنسانية، فإنها تحمل في جوهرها مخاطر كبيرة تتعلق بفرض التهجير القسري كأمر واقع، خاصة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها سكان القطاع".
ويضيف أن "التقارير التي تتحدث عن نقل فلسطينيين إلى دول بعيدة جغرافيًا، مثل بعض الدول في إفريقيا وآسيا، تثير القلق بشكل خاص، لأنها قد تعكس توجهًا لإبعاد السكان إلى مسافات تجعل عودتهم أكثر تعقيدًا".
وتُظهر معطيات التحقيق أن مسافرين تعرضوا لعمليات تضليل، أو لم يحصلوا على معلومات دقيقة بشأن شروط سفرهم وإقامتهم في الدول المستقبِلة، فيما تحدث آخرون عن تعرضهم لضغوط لتوقيع تعهدات قانونية تمس، بشكل مباشر أو غير مباشر، بحقهم في العودة إلى فلسطين.
ويؤكد يونس أن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، خاصة في ظل غياب الإرادة الحرة الكاملة للمسافرين، الذين يتخذون قراراتهم تحت وطأة الخوف والحاجة.
وأوضح يونس أن "أي ترتيبات تهدف إلى إعادة توطين الفلسطينيين خارج أرضهم، دون ضمانات حقيقية لحقوقهم، تمثل انتهاكًا خطيرًا، وقد ترقى إلى جريمة تهجير قسري".
وأشار إلى أن ما يجري لا يقتصر على كونه عمليات نقل سكاني، بل يندرج ضمن إطار أوسع من السياسات التي يمكن اعتبارها جزءًا من عملية تطهير عرقي، إذا ثبت أنها تُنفذ بشكل ممنهج وبهدف تغيير التركيبة السكانية للقطاع.
ولفت إلى أن "استخدام أدوات غير مباشرة، مثل شركات وسيطة أو ترتيبات غير شفافة، لا يُسقط المسؤولية القانونية عن الجهات التي تقف وراء هذه العمليات، بل قد يعكس محاولة للالتفاف على المساءلة الدولية".
من جهته، يرى أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أن الحلول القائمة على الترحيل أو إعادة التوطين القسري تتعارض مع قواعد القانون الدولي، لا سيما مبدأ حظر التهجير القسري وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وأكد أن الأوضاع الإنسانية الصعبة لا يمكن أن تُستخدم ذريعة لفرض خيارات غير قانونية على السكان.
وقال الشوا، لصحيفة "فلسطين"، إن صدور مثل هذه التقارير في ظل غياب تحقيقات دولية شفافة يفاقم حالة القلق، ويفتح الباب أمام تكريس سياسات قد يكون لها تأثير طويل الأمد على القضية الفلسطينية، محذرًا من أن انشغال المجتمع الدولي بتطورات إقليمية أخرى قد يمنح الجهات المنفذة مساحة أوسع للمضي قدمًا في هذه المخططات دون رقابة كافية.
ودعا إلى ضرورة تحرك دولي عاجل لفتح تحقيقات مستقلة في هذه التقارير، وضمان حماية المدنيين من أي ممارسات قد تنتهك حقوقهم الأساسية.
ولفت الشوا إلى أن التهجير القسري يُعدّ جريمة تطهير عرقي وفقًا للقانون الدولي الإنساني، مؤكدًا أهمية توفير بدائل إنسانية حقيقية داخل قطاع غزة، بما يضمن بقاء السكان في أرضهم وعدم دفعهم قسرًا نحو الهجرة أو النزوح الخارجي.
وطالب بتمكين الفلسطينيين من الثبات على أرضهم، من خلال إعادة الإعمار وتوفير فرص العيش الكريم، خاصة لفئة الشباب.
في المحصلة، تبقى المخاوف من تهجير سكان غزة قائمة ومتصاعدة، في ظل تداخل العوامل الإنسانية والسياسية والأمنية. وبينما يواصل المدنيون البحث عن سبل للنجاة من واقعهم الصعب، يحذر الحقوقيون من أن أي حلول لا تراعي الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وفي مقدمتها حقهم في البقاء على أرضهم، لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتكريس مظالم تاريخية جديدة.