قائمة الموقع

أخصائية نفسية: نحتاج لسنوات طويلة لعلاج الأطفال من انعكاسات الإبادة

2026-03-19T11:34:00+02:00
الأطفال ضحية حرب الإبادة على قطاع غزة (أرشيف)
فلسطين أون لاين
  • أطفال غزة بين المرض والبرد والنار... طفولةٌ تُستنزف بعد الحرب
  • تداعيات صحية ونفسية تلاحقهم وخروقات مستمرة من الاحتلال
  • نحو 187 طفلًا استشهدوا منذ وقف إطلاق النار و20 ألفاً خلال الحرب
  • 70% من الأطفال يعانون التوتر والقلق

يواجه الأطفال في غزة ظروفًا قاسية آلت إليه أحوالهم بعد الحرب الإسرائيلية في غزة، حيث تتضاعف الأمراض التي تصيبهم نتيجة قلة الرعاية بسبب العيش في ظروف مأساوية في خيام الإيواء وتحيط بهم بيئة ملوثة أدت لزيادة الأمراض الفيروسية المنتشرة في قطاع غزة، ويفاقم البرد المشهد الكارثي، إذ أدى البرد القارس لوفاة أكثر من 10 أطفال، ولم يسلم الأطفال من خروقات الاحتلال المستمرة بعد وقف إطلاق النار، فقد سجل استشهاد نحو 187 طفلا بالقصف المستمر على غزة.

بجسد هزيل تتمدد الطفلة حلا الشرقاوي (14 سنة) على فرشتها بخيمة نزوحها على شاطئ بحر مواصي خان يونس، بعد إصابتها بالتهاب فيروسي أقعدها طريحة الفراش تتألم دون أن تجد عائلتها علاجا مناسبا لها في ظل عجز كبير تعيشه المنظومة الصحية نتيجة نفاد الدواء.

وتقول أمها: "ارتفعت درجة حرارتها، وعانت من التهاب في الحلق. أخذتها إلى العيادة لكن للأسف لم أجد المضاد الحيوي المناسب، وهي منذ خمسة أيام لا تستطيع الحركة من شدة الالتهاب".

وإضافة للواقع المرضي، تعيش حلا وعائلاتها وآلاف العائلات في غزة واقعا صعبا نتيجة توالي المنخفضات الجوية على قطاع غزة والتي أدت لإغراق خيمتهم أربع مرات متتالية، فضلا عن تقدم البحر تجاه خيمتهم وهدم سورها، ما يجعل أمها تخشى من خطر آخر يشكل هاجسا عليها، وتضيف بنبرة مليئة بالقلق: "نخشى أن يبتلع البحر خيمتنا كما فعل مع الكثير من الجيران".

اقرأ أيضًا: الصدمة الجماعية وشبح المجاعة يفاقمان الأزمة النفسية في غزة

وبمحيط خيمتهم والتي كانت قبل شهر مليئة بخيام الجيران، تسبب البحر بموجة نزوح كبيرة للعائلات التي تسكن على شاطئ البحر، وبدا المحيط القريب منهم خاليا من النازحين، إلا أن والدة حلا وعائلتها لم تجد أرضا بديلة تنزح عليها لتبقى أسيرة المعاناة والبرد على شاطئ البحر.

ليس البرد والالتهابات الفيروسية والإنفلونزا ما يحاصر أطفال غزة فقط، إذ أن نسبة كبيرة منهم حرموا من التعليم وهم يحاولون مساعدة عائلاتهم في الأعباء اليومية كتعبئة جالونات المياه بشكل يومي.

أمام إحدى شاحنات مياه الشرب بمدينة غزة، كانت مرام شلدان (11 سنة) تحمل جالوني مياه بعدما قامت بتعبئتها بالمياه، وبينما يفترض أن تكون مرام على مقاعد الدراسة كما تتمنى، تمنعها ظروف النزوح بعيدا عن منزلها الواقع بحي الزيتون شرق مدينة غزة إلى حاصل صغير داخل المدينة من الذهاب للمراكز الدراسية.

وحتى اللحظة لم تفتح المدارس أبوابها، نتيجة تحولها إلى مراكز إيواء يقطنها عشرات الآلاف من النازحين فضلا عن تدمير عدد كبير منها بشكل كلي أو جزئي، ما يجعل العودة للعملية التعليمية أمرا صعبا إذ يحتاج لبدء عملية الإعمار لتفريغ المدارس من النازحين.

وتقول الطفلة فيما وضعت جالوني مياه أمام الحاصل بعدما حملتهم لعشرات الأمتار: "كل يوم نستيقظ لننتظر قدوم شاحنة المياه، فنحن نعيش بحاصل صغير أنا وأبي وأخوتي الصغار، وأحيانا تتأخر الشاحنة، وبعدما نقوم بتعبئة المياه نذهب لإحضار الطعام من التكية. أمنيتي العودة لمقاعد الدراسة والجلوس مع صديقاتي اللواتي لم أرهن منذ عامين".

بداخل حاصل تعلوه طوابق تعرضت للقصف تواجه الطفلة وعائلتها حياة قاسية، والتي انحصرت داخل أربعة جدران تطل على الشارع ويفتقرون لأدنى مقومات الحياة.

مضاعفات صحية

ولا تقتصر معاناة الأطفال على الظروف الحياتية إذ يعانون من تداعيات صحية للحرب، والإصابة بسوء التغذية والأمراض والملوثات، فضلا عن معاناة النساء الحوامل من الإجهاض الوفاة داخل الرحم والولادة بأوزن منخفضة فضلا عن التشوهات الخلقية.

سجود حجيلة التي أصابها سوء تغذية انعكس على وزنها ووزن مولودها "نسيم" الذي ولد بوزن 2 كغم وهو أقل من الوزن الطبيعي، تقول بينما كانت تحمله في أحد مراكز الرعاية الأولية لتطعيمه حقنة الشهرين: "إنه لولا حدوث اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، ودخول حليب الأطفال والطعام لكانت حياة طفلها مهددة في ظل وصول المجاعة لأوضاع قاسية إذ بالكاد كانت تستطيع تناول رغيف خبز أو طبق أرز واحد خلال الحرب. عانيت كثيرا خلال الحمل وكنت كل شهر أفقد 2 كغم من وزني بدلا من الزيادة".

وهي نفس المعاناة التي واجهتها والدة الطفلة الرضيعة تولين خضير (شهران) والتي كانت تتواجد بنفس المركز لتطعيم طفلتها، وتحكي "نزحت من شمال القطاع نحو مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة ثم جنوب القطاع وعدت لغزة مجددًا. ولدت طفلاً وبعد أربعة أشهر من الولادة حملت بـ "تولين" وعانيت في إطعام طفلي وفي الحمل. وحاليا نعاني كثيرًا كون الخيمة باردة ومع توالي المنخفضات الجوية التي تؤدي لمرض الطفلين باستمرار لذلك جئت لإعطائها التطعيم لحمايتها".

اقرأ أيضًا: "المنظمات الأهلية": أطفال غزة يستقبلون عيد الفطر في ظروف إنسانية قاسية

وتتضاعف المخاطر على حياة الأطفال في المناطق القريبة من الخط الأصفر، نظرا للقرب من قوات جيش الاحتلال التي تقوم بخرق اتفاق وقف إطلاق النار بشكل يومي، ونسف للمنازل و"التمشيط الناري" الصباحي والمسائي عبر إطلاق النار على المنازل أو أي جسد متحرك يقترب من الخط الأصفر، أسفر ذلك عن استشهاد نحو 530 مواطنا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين أول 2025، بينهم نحو 187 طفلا منهم 66 طفلة.

تداعيات نفسية واجتماعية

وخلفت الحرب تداعيات نفسية وصحية وتعليمية واجتماعية مختلفة، نتجت عن الإبادة الجماعية، وتقول دكتورة علم الاجتماع النفسي وبناء القدرات د. ختام أبو عودة: إن "الأطفال من الفئات الهشة، وأدت الحرب إلى وجود نسبة كبيرة من الأطفال الأيتام، وهم بحاجة لرعاية اجتماعية وبيئية وأسرية".

دكتورة علم الاجتماع النفسي، ختام أبو عودة

وتشير أبو عودة إلى أن 90% من الأطفال بحاجة لرعاية نفسية ويعانون من اضطرابات نفسية وسلوكية وأمراض نفسية وفق مؤشرات نشرتها منظمة الصحة العالمية في آخر دراسات لها، ويعيشون بتوتر دائم وعدم استقرار وقلق أدى لفقدان الشغف بالحياة.

وتكشف أبو عودة لـ "فلسطين أون لاين " أن 60 ألف طفل يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، ومعظمهم فقدوات التعليم بعدما أصبحت المدارس مراكز للنزوح، ونحو 50 ألف طفل بحاجة لرعاية صحية.

وتوضح أن جزء من الاضطرابات والعزلة والتشتت ناجمة عن فقدان الأب والأم وجميع العائلة، خاصة أن هناك نحو عشرين ألف طفل يصنفون كناج وحيد، وهناك أطفال يقومون بأدوار اجتماعية مختلفة إذ أصبح الأب والأم ومسؤول عن توفير المياه والطعام والوقوف بطوابير على النقاط الطبية للحصول على العلاج.

كل هذه الظروف والعوامل انعكست سلبا على الطفل الفلسطيني وأدت لعدم الاهتمام بالتعليم الذي انقطع عنه لفترة طويلة، وعدم التكيف الاجتماعي والنفسي والذي أدى لسوء السلوكيات والاضطرابات النفسية، وسوء التعامل مع الآخرين وتشتت الانتباه، وعدم الشعور بالأمن، لافتة، إلى أن نحو 70% من الأطفال يعانون من التوتر والقلق كذلك أن سوء التغذية انعكس على الصحة النفسية للأطفال.

وتشدد على أن الأطفال يحتاجون رعاية متكاملة من جميع النواحي اجتماعية أو نفسية أو صحية، ويحتاج الطفل أن يفهم من جديد ما هي الأسرة والطفولة والحياة ويحتاج لسنوات طويلة للعلاج من انعكاس الإبادة عليهم.

اخبار ذات صلة