قائمة الموقع

الحرب على إيران وإعادة تشكيل الردع

2026-03-15T08:55:00+02:00
مسيّرة "شاهد 136" في ذكرى الثورة الإسلامية السابعة والأربعين
فلسطين أون لاين

لم يعد الشرق الأوسط يعيش مرحلة التوترات التقليدية أو جولات التصعيد المحدودة التي اعتادها خلال العقود الماضية، فالحرب الدائرة منذ نهاية فبراير/شباط 2026 بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى، تمثل تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الصراع الإقليمي، حيث انتقلت المواجهة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة من نطاق الحروب غير المباشرة إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين قوى إقليمية ودولية كبرى، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود ساحة القتال.

وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب الحالية مجرد صراع عسكري حول البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران، بل تبدو أقرب إلى صراع على إعادة تعريف معادلات الردع وموازين القوة في الشرق الأوسط، في لحظة إقليمية ودولية تتسم بتغيرات عميقة في بنية النظام الدولي.

من حروب الظل إلى المواجهة المفتوحة:

على مدى ما يقارب العقدين، دار الصراع بين إيران و"إسرائيل" ضمن ما عُرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ"حروب الظل"، حيث يعتبر الأخير أحد أنماط الصراع منخفضة الحدة، حيث يعتمد على العمليات السرية والضربات المحدودة دون الوصول إلى مستوى الحرب المباشرة، وقد شمل ذلك عمليات اغتيال، وهجمات سيبرانية، وضربات جوية محدودة في سوريا والعراق استهدفت مواقع مرتبطة بإيران.

وقد سمح هذا النمط من الصراع للطرفين بالحفاظ على مستوى من الردع المتبادل، إذ كانت كل عملية عسكرية محسوبة بعناية لتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة، حيث انتهجت إيران سياسة الصبر الاستراتيجي، غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل تدريجيًا مع تسارع التطورات العسكرية في المنطقة، خصوصًا مع توسع القدرات الصاروخية الإيرانية وتعاظم نفوذ طهران عبر شبكة حلفائها الإقليميين، وإمدادها لهم بشكلٍ جعل حركة حماس كأحد المدعومين منها قادرةً على تنفيذ هحوم استراتيجي (هجوم السابع من أكتوبر 2023).

في هذا السياق، جاءت الضربة العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد أهداف داخل إيران في نهاية فبراير 2026 لتشكل نقطة تحول نوعية في مسار الصراع، إذ انتقل لأول مرة من مستوى العمليات غير المباشرة إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة، وقد ركزت الضربات الافتتاحية على استهداف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وقواعد الصواريخ الباليستية، ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري، إضافةً لمنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ليعكس هذا النمط من الاستهداف محاولة لإحداث صدمة استراتيجية داخل البنية العسكرية الإيرانية وتقليص قدرتها على الرد، غير أن الأهداف السياسية للعملية تعتبر أوسع من مجرد تدمير أهداف عسكرية، إذ سعت الولايات المتحدة و"اسرائيل" إلى إعادة ضبط ميزان الردع في المنطقة بعد سنوات من التمدد الإيراني.

السياسة الإيرانية الصاروخية

جاء الرد الإيراني سريعًا ومتدرجًا، مستندًا إلى العقيدة العسكرية التي طورتها طهران خلال العقود الماضية، والتي تقوم على الاعتماد المكثف على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة كأداة رئيسية للردع، حيث أطلقت إيران موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف داخل "إسرائيل"، إضافة لاستهداف قواعد عسكرية أمريكية في منطقة الخليج، وقد اعتمدت هذه الهجمات على استراتيجية الإغراق الصاروخي، التي تقوم على إطلاق أعداد كبيرة من المقذوفات بهدف تجاوز منظومات الدفاع الجوي المعادية.

ورغم نجاح منظومات الدفاع الجوي "الإسرائيلية" والأمريكية في اعتراض نسبة ما من هذه الهجمات، إلا أن بعض الصواريخ تمكنت من اختراق الدفاعات وإحداث أضرار ملموسة، ما كشف حدود القدرة الدفاعية حتى لدى أكثر الأنظمة العسكرية تطورًا، وعلى الصعيد الاستراتيجي، لم يكن الهدف الإيراني تحقيق تفوق عسكري مباشر، بل إثبات القدرة على فرض كلفة استراتيجية على الخصم، وهو جوهر مفهوم الردع في الفكر العسكري الإيراني.

تعدد ساحات الصراع الإقليمي

اتسعت رقعة المواجهة لتشمل عدة ساحات إقليمية، في مؤشر واضح على الطبيعة المركبة للصراع في الشرق الأوسط، فإيران التي بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين، تمتلك القدرة على توسيع نطاق المواجهة عبر عدة جبهات، حيث رأى حزب الله اللبناني في دخوله للمواجهة فرصةً لتشتيت القوات "الاسرائيلية" وتخفيف الضغط عن نفسه وإيران في ذات الوقت، من خلال إطلاقه الصواريخ باتجاه شمال "إسرائيل"، ما دفع قوات الاحتلال "الاسرائيلي" لتنفيذ ضربات مكثفة في الجنوب اللبناني، وفي الوقت ذاته، تعرضت قواعد عسكرية أمريكية في منطقة الخليج لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، بينما تصاعد التوتر في الممرات البحرية الحيوية، فيما يعكس هذا الاتساع في رقعة المواجهة استراتيجية إيرانية تقوم على تعدد ساحات الصراع، بما يفرض على الخصم توزيع قدراته العسكرية عبر عدة جبهات، ويزيد من كلفة أي مواجهة طويلة الأمد.

الاقتصاد والطاقة كسلاح استراتيجي

لم تختزل الأطراف المشتركة في الحرب حربها في الجانب العسكري فحسب، بل وسعت نطاق الحرب لتشمل بعدًا آخر للصراع تمثل في استخدام الاقتصاد والطاقة كسلاح استراتيجي، فقد استهدفت الضربات الأمريكية-"الإسرائيلية" البنية التحتية المرتبطة بصادرات النفط الإيرانية، في محاولة لتقليص قدرة طهران على تمويل الحرب وإضعاف اقتصادها.

في المقابل، لجأت إيران لاستخدام ورقة أمن الطاقة العالمي عبر التلويح بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم، وقد فعلت ذلك في خطوةٍ تحدت فيها القوة الأمريكية التي صرحت بمرافقة السفن التجارية لتأمينها خلال مرورها مضيق هرمز، كما جعل بعض الدول الأوروبية تلجأ لسياسة النأي بالنفس والطلب من طهران السماح للسفن الخاصة بها بالمرور عبر المضيق مثل فرنسا وإيطاليا، حيث أدى هذا التصعيد إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط وتكاليف التأمين البحري، ما يعكس مدى حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية.

كما يمكن أن يؤدي لعلاقات سيئة بين الولايات المتحدة والدول المذكورة لعدم اصطفافها بجانب الولايات المتحدة و"اسرائيل" بشكلٍ كامل، خصوصًا أن ذلك يضعف موقف حلف الناتو ويبرزه غير متفق على خارطة استراتيجية موحدة بين كافة أعضاءه، لذلك يمكن القول بأن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت صراعًا متعدد الأبعاد يشمل الاقتصاد والطاقة والأمن البحري.

كما تتميز هذه الحرب أيضًا بالاستخدام المكثف للتكنولوجيا العسكرية الحديثة، وخاصة الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، فقد أصبحت الطائرات المسيّرة سلاحًا مركزيًا في العمليات الهجومية والاستطلاعية، في حين لعبت الهجمات السيبرانية دورًا متزايدًا في تعطيل البنى التحتية الرقمية للطرفين، ويشير ذلك إلى أن الصراع الحالي يمثل نموذجًا لما يمكن وصفه بحروب الجيل الجديد، حيث تتداخل العمليات العسكرية التقليدية مع الحرب السيبرانية والأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي.

وبالإضافة لما سبق ذكره، فإن الحرب الحالية تمثل في جوهرها، اختبارًا حقيقيًا لمنظومة الردع في الشرق الأوسط، فـ "إسرائيل" التي اعتمدت لعقود على تفوقها العسكري النوعي تجد نفسها اليوم أمام خصم قادر على تهديد عمقها الاستراتيجي عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي المقابل، تسعى إيران إلى إثبات أن قدرتها على الرد لا تزال قائمة رغم الضربات التي تلقتها، وأن أي محاولة لإضعافها عسكريًا ستقود إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة، ومن هذا المنظور، يمكن فهم الحرب الحالية باعتبارها صراعًا على تحديد قواعد الردع الجديدة في المنطقة.

الخلاصة:

يمكن القول أن استمرار الحرب ضمن نمط الضربات المتبادلة دون حسم واضح، من المرجح أن يوجه المنطقة نحو مرحلة طويلة من الردع غير المستقر، حيث تتراجع قدرة أي طرف على فرض تفوق حاسم، مقابل ارتفاع احتمالات التصعيد الدوري، وفي مثل هذا السيناريو، قد يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراع ممتد منخفض الحدة لكنه مرتفع الكلفة، تتداخل فيه المواجهات العسكرية المباشرة مع الحروب السيبرانية والاقتصادية وحروب الوكلاء، غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن استمرار هذه المواجهة قد يدفع القوى الإقليمية إلى إعادة صياغة تحالفاتها الأمنية والعسكرية بصورة أعمق، بما يؤدي تدريجيًا لنشوء بنية ردع إقليمية جديدة تختلف جذريًا عن تلك التي تشكلت بعد الحرب الباردة.

ومن هنا، فإن مآلات الحرب الحالية لن تحدد فقط مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل"، بل قد تشكل أيضًا اللحظة التأسيسية لنظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط.

اخبار ذات صلة