يشهد قطاع غزة تصعيداً إسرائيلياً متسارعاً بالرغم من سريان اتفاق وقف حرب الإبادة منذ العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، في مشهد يعكس هشاشة الوضع القائم ويطرح تساؤلات واسعة بشأن أهداف هذا التصعيد وأبعاده السياسية والعسكرية.
وتأتي هذه التطورات مع انشغال العالم بتداعيات الحرب على إيران، وهو ما يرى مراقبون أنه يوفّر بيئة مناسبة لـ(إسرائيل) لتكثيف عدوانها على القطاع دون ضغوط دولية فاعلة. وبين القراءة الميدانية للأحداث والتحليلات السياسية، يؤكد محللان في حديثين منفصلين لـ "فلسطين أون لاين" أن ما يجري يتجاوز حدود "الخروقات التكتيكية" ليشكّل سياسة متعمدة تهدف إلى فرض واقع جديد على قطاع غزة.
فعلى الأرض، تتواصل الخروقات الإسرائيلية بصورة شبه يومية، إذ تتعرض مناطق مختلفة من قطاع غزة لإطلاق نار وقصف مدفعي وغارات جوية تستهدف أحياء سكنية ومناطق متفرقة في شمال القطاع ووسطه وجنوبه.
وقد أسفرت هذه الاعتداءات عن شهداء وإصابات في صفوف المدنيين، بينهم أطفال، كما طال القصف مناطق سكنية شرقي مدينة غزة ومناطق في وسط القطاع، إضافة إلى غارات داخل ما يُعرف بالخط الأصفر شرق خان يونس، وقصف مدفعي طال مناطق في شمال غربي رفح. كما نفذت قوات الاحتلال غارة استهدفت مخيماً يؤوي نازحين في مدينة غزة، في مشهد يعكس استمرار استهداف المدنيين رغم إعلان وقف إطلاق النار.
اقرأ أيضًا: "حماس": الاحتلال يستغل انشغال العالم لتصعيد عدوانه وارتكاب مجازر دامية في غزَّة
ويرى الكاتب والباحث السياسي إبراهيم المدهون أن التصعيد الإسرائيلي الأخير يحمل طابعاً واسعاً وخطيراً، ويأتي ضمن سلسلة من التصعيدات المتتالية التي تتزايد حدتها يوماً بعد يوم. ويؤكد المدهون أن خطورة هذا التصعيد لا تكمن فقط في طبيعته العسكرية، بل في السياق الدولي الذي يجري فيه، إذ يتزامن مع حالة من الصمت الدولي وعجز الوسطاء عن لجم الاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب انشغال القوى الدولية بالحرب الإيرانية، وهو ما يتيح لـ(إسرائيل) مساحة أوسع للتحرك دون مساءلة حقيقية.
الكاتب والباحث السياسي، إبراهيم المدهون
ويشير المدهون إلى أن ما يجري في غزة لا يمكن اعتباره مجرد ردود عملياتية على تطورات ميدانية، بل يمثل نهجاً منظماً يهدف إلى تعظيم الخسائر الفلسطينية وإبقاء القطاع في حالة استنزاف دائم. كما يسعى الاحتلال – بحسب تأكيده – إلى ضرب أي محاولة للتعافي داخل المجتمع الفلسطيني ومنع غزة من استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية بعد شهور طويلة من الحرب والدمار.
ويضيف أن أحد الأهداف غير المعلنة لهذا التصعيد يتمثل في محاولة تطبيع مشاهد العدوان مع الرأي العام الدولي والعربي، بحيث تتحول الاعتداءات اليومية وما تخلّفه من ضحايا إلى أحداث اعتيادية ضمن نشرات الأخبار، الأمر الذي يضعف مستوى التفاعل الدولي مع معاناة الفلسطينيين.
ارتفاع وتيرة الخروقات
من جهته، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد عبد الرحمن قراءة أكثر تفصيلاً لأشكال التصعيد الإسرائيلي، مشيراً إلى أن ما نشهده من ارتفاع متسلسل في وتيرة الخروقات قد بدّد كثيراً من التوقعات التي كانت تراهن على تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، رغم بقاء خيط رفيع من الأمل بعد الإعلان الإعلامي عن دخول المرحلة الثانية من الاتفاق حيّز التنفيذ، بالتزامن مع الإعلان عن تشكيل ما سُمّي بـ«مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب اللجنة الوطنية لإدارة شؤون قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث.
الكاتب والمحلل السياسي، أحمد عبد الرحمن
ويؤكد عبد الرحمن أن الاحتلال بدأ منذ تلك المرحلة موجة جديدة من التصعيد لم تقتصر على الميدان العسكري، بل شملت مختلف الملفات المرتبطة بالاتفاق، الأمر الذي يهدد بتقويضه ويدفع نحو احتمالات انهياره إذا استمر الوضع على حاله.
ومن أبرز مظاهر هذا التصعيد – بحسب عبد الرحمن – استمرار جرائم الاغتيال التي تستهدف ناشطي المقاومة وكوادرها، حيث بات الاحتلال يسعى إلى استهدافهم كلما سنحت الفرصة تحت ذرائع تتعلق بإحباط ما يسميها هجمات محتملة أو الرد على خروقات مزعومة. كما لم يقتصر الاستهداف على المقاومين، بل امتد ليطال المدنيين في مناطق متعددة من القطاع وليس فقط في محيط ما يُعرف بالمنطقة الصفراء.
ويشير عبد الرحمن كذلك إلى أن الاحتلال يعمل على تغيير الواقع الجغرافي في قطاع غزة من خلال توسيع المنطقة العازلة شرق القطاع، وحفر خندق عميق بمحاذاة الخط الأصفر، مزود بتجهيزات تقنية لرصد الأنفاق. ويرى أن هذه الخطوة قد تعكس محاولة إسرائيلية لفرض حدود أمنية جديدة تقلّص المساحة المتاحة لسكان القطاع وتحاصرهم في نطاق جغرافي ضيق.
كما يلفت إلى أن التصعيد شمل ملفات أخرى تمسّ الحياة اليومية لسكان غزة، من بينها إغلاق معبر رفح، إضافة إلى القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية والطبية، والتي ما زالت دون المستوى المنصوص عليه في اتفاق وقف الحرب، الأمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.
وفي تحليله لأسباب هذا التصعيد، يرى عبد الرحمن أن أحد أبرز الدوافع يتعلق بالاعتبارات السياسية الداخلية في (إسرائيل)، حيث يسعى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى إدامة حالة التصعيد في غزة لتجنب الضغوط السياسية والقانونية التي يواجهها داخلياً، إضافة إلى محاولة تعزيز موقعه السياسي أمام الجمهور الإسرائيلي.
كما يشير إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه السياسات إلى خلق واقع جديد يجعل قطاع غزة بيئة غير قابلة للحياة، بما يجبر سكانه في مرحلة لاحقة على الهجرة القسرية من القطاع، وهو هدف تسعى (إسرائيل) إلى تحقيقه عبر مزيج من الضغوط العسكرية والإنسانية.
اقرأ أيضًا: محلِّلون: خروقات الاحتلال تعكس رغبة نتنياهو في إفشال اتِّفاق وقف النَّار
وفي السياق نفسه، يرى عبد الرحمن أن التصعيد قد يكون جزءاً من استعدادات إسرائيلية لمرحلة عسكرية قادمة، في ظل التحركات العسكرية المتزايدة شرق القطاع وبناء مواقع عسكرية جديدة، إلى جانب التكثيف غير المسبوق لعمليات الاستطلاع الجوي.
ورغم هذا التصعيد المتواصل، يتفق المحللان أن أحد أبرز العوامل التي تعيق تحقيق الأهداف الإسرائيلية يتمثل في صمود سكان قطاع غزة وتمسكهم بالبقاء في أرضهم. فمحاولات إجبار السكان على الهجرة أو الاستسلام للواقع الجديد لم تنجح حتى الآن، إذ يواصل الفلسطينيون إظهار قدر كبير من الصمود رغم الظروف الإنسانية القاسية.
وبينما يستمر التصعيد الإسرائيلي في ظل انشغال العالم بالحرب في الإقليم، يبقى قطاع غزة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحسابات السياسية والعسكرية مع الأوضاع الإنسانية المتدهورة، ما يجعل مستقبل اتفاق وقف الحرب مرهوناً بمدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على كبح هذا التصعيد.