فلسطين أون لاين

تقرير إبراهيم.. رصاصة إسرائيلية أوقفته عند حدود الطفولة

...
الطفل إبراهيم قويدر
غزة/ هدى الدلو

لم يكن الطفل إبراهيم قويدر، ذو الأعوام الأربعة عشر، يتخيل أن زيارة عابرة لابن عمه المصاب ستقلب حياته رأسًا على عقب، فقد كان صيف هذا العام يحمل له ما يشبه الكابوس الطويل، حين تحوّلت لحظة إنسانية بسيطة إلى بداية معاناة قاسية حرمت طفلاً من طفولته، ومن مدرسته، ومن ملعب كرة القدم الذي كان يحتضن أحلامه الصغيرة.

في العاشر من تموز/يوليو 2025، خرج إبراهيم برفقة أصدقائه لزيارة ابن عمه المصاب في مستشفى ناصر الطبي، كان هدفه بسيطًا: الاطمئنان على قريبه والعودة إلى مكان نزوحه، لكن ما حدث في تلك اللحظات كان أبعد ما يكون عن البساطة.

فجأة، دوّت أصوات القذائف الإسرائيلية في محيط المكان، وترافق مع ذلك إطلاق نار كثيف وتحليق طائرات "الكواد كابتر"، في ثوانٍ قليلة تحولت أروقة المستشفى ومحيطها إلى مشهد من الفوضى والخوف، ووسط ذلك كله، أصيب إبراهيم بطلق ناري استقر في ظهره، تحديدًا عند الفقرة السادسة.

لم يكن الطفل يدرك في تلك اللحظة حجم الإصابة، لكنه شعر فورًا أن شيئًا في جسده تغيّر، تتذكر والدته نسرين تلك اللحظة بمرارة وتقول لـ "فلسطين أون لاين": "منذ اللحظة الأولى قال لي: يا أمي، حسّيت رجليّ في الأرض… ما قدرت أحركهم."

كانت تلك الكلمات بداية الصدمة الحقيقية. فالإصابة التي تعرض لها إبراهيم تسببت في ضرر خطير في الحبل الشوكي، ما أدى إلى فقدانه الإحساس في الجزء السفلي من جسده.

ورغم خطورة الحالة، لم يتمكن الأطباء من إجراء عملية جراحية له، وتشرح والدته السبب قائلة: "فبسبب قلة الإمكانيات والمعدات الطبية وعدم توفر العلاج المناسب، لم تُجرَ له أي عملية، كان الأطباء يخشون أن يؤدي التدخل الجراحي في هذه الظروف إلى قطع الحبل الشوكي بالكامل".

1.png

فمكث في المستشفى عشرة أيام فقط، كانت أيامًا مليئة بالألم والقلق، لكن الأحداث المتسارعة وكثرة أعداد الجرحى والمصابين أجبرت الطواقم الطبية على إخراجه من المستشفى قبل أن يتلقى العلاج الذي يحتاجه.

عاد إبراهيم إلى خيمة نزوحه في مدينة خان يونس، لكن حياته لم تعد كما كانت، فقد أصبح عاجزًا عن الحركة، وفاقدًا للإحساس في الجزء السفلي من جسده، وبات يعتمد على الحفاضات الطبية والقسطرة، وهو أمر لم يكن سهلًا على طفل كان قبل أيام قليلة فقط يركض خلف كرة القدم مع أصدقائه.

وتتابع والدته وهي تحاول إخفاء صوت دموعها: "إبراهيم آخر العنقود… كان مثل الفراشة في البيت، لا يجلس في مكان، دائم الحركة والضحك".

كان الطفل النشيط يقضي معظم وقته في اللعب مع أصدقائه في الحي، وكانت كرة القدم هوايته المفضلة، يحلم أن يصبح لاعبًا معروفًا يومًا ما، ويقضي ساعات طويلة في الركض خلف الكرة في الأزقة والساحات، لكن الإصابة أوقفت كل ذلك فجأة.

كما أن المعاناة لم تتوقف عند فقدان الحركة فقط، بل بدأت تظهر مشاكل صحية جديدة مع مرور الأيام، فعلى الرغم من حرص عائلته على تقليبه أثناء النوم باستمرار لتجنب المضاعفات، بدأت التقرحات تظهر في جسده.

وتصف الأم تلك المرحلة بقولها: "شفنا أيام سودة… يوم يكون أفضل قليلًا، وفي اليوم التالي يمرض من الالتهابات والتقرحات."

ومع الظروف الصعبة، أصبح إبراهيم يعاني أيضًا من انخفاض مستوى الدم وفقر الدم. ويرتبط ذلك بسوء التغذية وعدم توفر الأطعمة الغنية بالفيتامينات والعناصر الضرورية لجسده الذي يقاوم الألم يومًا بعد يوم.

وتضيف والدته: "هو يحتاج إلى أدوية وعلاجات كثيرة، لكن الوضع صعب… حتى الطعام المناسب غير متوفر".

2.png

ورغم كل ذلك، لا تزال هناك بارقة أمل، فقد أخبر أطباء في الخارج عائلة إبراهيم أن حالته تحتاج إلى عملية جراحية عاجلة، وأن التدخل السريع قد يمنحه فرصة للوقوف على قدميه مرة أخرى، وتشير والدته إلى أن الأمر لا يتعلق بعملية جراحية فقط، بل بإنقاذ مستقبل طفل.

وتكمل بصوت مليء بالرجاء: "كل ما أتمناه أن أراه يقف على رجليه مرة أخرى".

اليوم، تقضي الأم معظم وقتها إلى جانب ابنها، تراقب حالته الصحية وتنتظر بفارغ الصبر خبر تحويله للعلاج في الخارج. وبين لحظة وأخرى، تنظر إلى وجهه الصغير الذي تغيرت ملامحه بفعل الألم، لكنها ما زالت ترى فيه ذلك الطفل الذي كان يملأ البيت ضحكًا وحركة.

أما إبراهيم نفسه، فيعيش بين الأمل والانتظار، فهو طفلٌ حُرم من مدرسته ومن ألعابه ومن حياة كان يجب أن تكون مليئة بالركض والمرح، لكن في وسط هذه المعاناة تبقى أمنية واحدة تجمعه مع والدته وهي أن تأتي اللحظة التي ينهض فيها من سريره، ويخطو من جديد… على قدميه.

المصدر / فلسطين أون لاين