فلسطين أون لاين

ويسألونك متى هو؟

لأن القرآن أنزله الله على الإنسانِ وللإنسانِ، كان فيه وصفٌ دقيقٌ لنفسيةِ الإنسان بأنه يُحب كل شيءٍ، يُحب أن تسيرَ الحياة وفق هواه دون ضوابط، يُحقق ما يشاء، كيفما يشاء، وقتما يشاء، وهذا يخلق عنده حالة من الاستعجال عبّر عنها القرآن الكريم " وكان الإنسان عجولا " الإسراء11 و"خلق الإنسان من عجل" الأنبياء37.

فكرة استعجال النتائج غير مقتصرة على أحدٍ معين، فهي سمةٌ بشريةٌ بغض النظر عن جنس الانسانِ وجنسيتهِ ولونهِ ودينهِ، وقد عبّر القرآن الكريم عن سمة الاستعجال في تسعة مواضع، بصيغة "متى"، والمتأمل في "متى" يلحظ أنها تسأل عن قضايا تنوعت بين السؤال عن يوم الدين، الفتح، البعث، النصر، كما يلحظ أنها تطلب إجابة عن زمنٍ محدد، ووردت على عدة أشكال: "رغبة في الخروج من واقعٍ مأزومٍ وليس تشكيكاً" كما جاء في قوله تعالى على لسان المؤمنين: "أم حسبتم أَن تدخلوا الجنة وَلَمَّا يأتكم مَّثَلُ الذين خلوا مِن قبلكم مستهم ٱلۡبَأۡسَآءُ والضراء وزلزلوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرسول والذين ءَامَنُواْ معه مَتَىٰ نصر ٱللَّهِۗ ألا إِنَّ نصر الله قَرِيبٞ (214) البقرة. "تحدياً وتشكيكاً " حيث وردت على لسان الكافرين في عدة أيات بنفس الصيغة، (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الوعد إِن كنتم صَٰدِقِينَ )(29) سبا، 48) يس (25) الملك) (48) يونس،30)( السجدة. ولو تأملنا آيات التحدي نجدها متبوعة ب" إِن كنتم صَٰدِقِينَ "، وهذا تحدي ممزوج بالتشكيك بموعود الله وقدرته على تحقيق الوعد، والرغبة بإظهار كذب المؤمنين الذين لن يجيبوا عن "متى".

ولأن "متى" تحتاج إلى إجابة، فقد أجاب الله عزوجل عن بعضها ولم يجب عن الآخر، ففي سورة الأحزاب وردت "متى" (فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو)، فكانت الإجابة (قل عسى أن يكون قريبا) وكلمة "عسى" في القرآن تفيد التأكيد، وقد يتساءل أحدنا كيف يمكن فهم" عسى" أنها تفيد القُرب بالرغم من بعد المسافة الزمنية بين نزول القرآن وبين العصر الحالي"؟ الإجابة جاءت في القرآن" وإن يوماً عند ربك كألفِ سنةٍ مما تَعُدونَ" الحج47، وهنا نفهم أن "عسى" تفيد التأكيد بقرب الحدوث وفق المنظور الزمني الإلهي، وليس من المنظور الزمني البشري.

وبغض النظر عن أن" متى" كلها لم يتم الإجابة عنها، لكن التي تم الإجابة عنها لم تكن إجابتها تُحدد موعد محدد لحدوث ما يُطالب به السائلون، بل ببيان ظروف ما سيكون في ذلك اليوم الذي يشككون فيه، أو تهيئة نفوسهم له، وللتوضيح على سبيل المثال، فالسؤال هو(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الفتح إِن كنتم صَٰدِقِينَ) فكانت الاجابة ( 28) (قل يوم الفتح لَا يَنفَعُ الذين كفروا إيمانهم وَلَا هم يُنظَرُونَ (29) فأعرض عنهم وانتظر إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30)( السجدة. ما سبق هو غيضٌ من فيض من كنوز القرآن الكريم في "متى"، ولنا لقاء اخر مع سؤال آخر من أسئلة القرآن الكريم، ونسأل الله أن يكون نصره قريبا.

المصدر / فلسطين أون لاين