فلسطين أون لاين

المبادرات المجتمعية في زمن الحرب.. بين المسؤولية الإنسانية وتشوهات الاستغلال في غزة

في أوقات الأزمات والحروب، تبرز المبادرات المجتمعية كأحد أهم الأدوات التي يعتمد عليها المجتمع للتكيف مع الظروف الاستثنائية. فالمبادرة في مفهومها العام تعني التحرك الطوعي الذي يقوم به فرد أو مجموعة بهدف معالجة مشكلة أو تلبية حاجة ملحّة دون انتظار قرار رسمي أو تدخل مؤسسي مباشر. ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، تمثل المبادرات أحد أشكال رأس المال الاجتماعي الذي يعكس قدرة المجتمع على التضامن والتعاون وتوليد حلول محلية في ظل محدودية الموارد.

وخلال الحرب التي شهدها قطاع غزة، ظهرت عشرات المبادرات التي أطلقها أفراد ومؤسسات مجتمع مدني وشخصيات اعتبارية، حيث سعت هذه المبادرات إلى تخفيف حدة الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها السكان. فقد شملت هذه المبادرات توفير الوجبات الغذائية، وتوزيع المياه، وإعادة تشغيل بعض الأنشطة الصغيرة، وتنظيم حملات إغاثة عاجلة للأسر المتضررة. وقد لعبت هذه الجهود دورًا مهمًا في سد جزء من الفجوة التي خلفها تعطل الاقتصاد المحلي وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

ولا يمكن إنكار أن العديد من هذه المبادرات قادها أشخاص ومؤسسات اتسمت بالمسؤولية والنزاهة، حيث عملوا بإمكانات محدودة، ولكن بإرادة كبيرة لخدمة المجتمع. وقد أسهمت هذه النماذج الإيجابية في تعزيز ثقافة التكافل الاجتماعي وترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية، كما عكست صورة مشرّفة عن المجتمع الغزي وقدرته على التكاتف في أصعب الظروف.

لكن في المقابل، شهدت فترة الحرب أيضًا ظاهرة أخرى لا يمكن تجاهلها، تمثلت في استغلال مفهوم المبادرة من قبل بعض الأفراد والجهات بطريقة غير مسؤولة. فقد تحولت بعض المبادرات إلى منصات لجمع التبرعات دون وجود آليات واضحة للشفافية أو المساءلة، وفي بعض الحالات لم يكن هناك توثيق حقيقي لكيفية إدارة الأموال أو توزيع المساعدات. هذا الواقع أدى إلى بروز حالة من التشكيك لدى بعض المتبرعين والجهات الداعمة، سواء داخل فلسطين أو خارجها.

ومن منظور اقتصادي، فإن الثقة تُعد حجر الأساس في منظومة العمل الخيري والإنساني. فكلما ارتفعت مستويات الشفافية والحوكمة في إدارة المبادرات، زادت قدرة هذه المبادرات على جذب التمويل والدعم. أما عندما تتراجع الثقة بسبب ممارسات فردية غير مسؤولة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع تدفقات التبرعات ويؤثر بشكل مباشر على الفئات الأكثر احتياجًا.

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في كثرة المبادرات بحد ذاتها، بل في جودة إدارتها ودرجة مصداقيتها. فالمبادرة الناجحة هي التي تقوم على رؤية واضحة، وإدارة مالية شفافة، وتوثيق مهني للأنشطة والنتائج، بما يضمن استدامة الدعم وثقة المجتمع والمانحين.

وفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، تبقى المبادرات المجتمعية عنصرًا حيويًا في تعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي. غير أن الحفاظ على سمعة العمل الإنساني يتطلب التمييز بين المبادرات الجادة التي تخدم المجتمع بصدق، وبين الممارسات الفردية التي تسيء إلى هذا المفهوم النبيل.

فالمبادرة الحقيقية ليست مجرد فكرة أو حملة تبرعات عابرة، بل هي مسؤولية أخلاقية واقتصادية تهدف في جوهرها إلى خدمة المجتمع وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات.

المصدر / فلسطين أون لاين