مع اقتراب حلول عيد الفطر المبارك، تشهد الأسواق في قطاع غزة حركة تسوق متواضعة، حيث تحاول العائلات تأمين مستلزمات العيد لأطفالها، وعلى رأسها الملابس، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي لا تزال تثقل كاهل المواطنين.
ورغم دخول بعض البضائع إلى القطاع خلال الأشهر الماضية عبر المعابر، إلا أن الكميات لا تزال محدودة مقارنة بالاحتياجات الفعلية للمواطنين، إذ تشير التقديرات إلى أن الإمدادات تغطي نحو 30% فقط من الاحتياجات، ومعظمها يتركز على المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، بينما لا تزال المواد الخام اللازمة للإنتاج محدودة.
في مخيم النصيرات وسط القطاع، تتجول السيدة أم خالد الصالحي بين المحال التجارية بحثًا عن ملابس لأطفالها الثلاثة. تقول لصحيفة "فلسطين" إن هذا العام يبدو أفضل نسبيًا من العام الماضي من حيث توفر البضائع، لكنها تشير إلى أن الأوضاع المعيشية لا تزال صعبة والأسعار في ارتفاع مستمر.
وتضيف: "اشتريت لبناتي الملابس قبل شهر من رمضان، لأن الأسعار عادة ترتفع مع اقتراب العيد، وهذا أمر اعتدت عليه بسبب الغلاء."
وتوضح أن الأسرة تعتمد على راتب زوجها وبعض المخصصات المالية، إلا أن ذلك بالكاد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما يجعل شراء ملابس العيد عبئًا إضافيًا.
وتسبب الدمار الواسع في تضرر نحو 60% من المباني في القطاع بين دمار كلي وجزئي، بما في ذلك عدد كبير من المنشآت الاقتصادية والأسواق، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على الحركة التجارية والنشاط الاقتصادي.
وفي زاوية أخرى من السوق، تقف أم عماد النزلي تتفحص الملابس دون أن تتمكن من شرائها، قائلة إنها لم تستطع اقتناء ملابس العيد لأطفالها بسبب ضيق الحال، وتعتمد على مخصصات وزارة التنمية الاجتماعية التي لم تتسلمها منذ أكثر من أربع سنوات.
وتأمل النزلي الحصول على الملابس من بعض المؤسسات الخيرية قبل حلول العيد لإدخال الفرحة إلى قلوب أطفالها، لكنها تعيش في خيمة بالزوايدة بعد هدم منزلها في حرب الإبادة، وسط أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية.
وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن الاقتصاد في غزة تعرض لانكماش غير مسبوق، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 84% مقارنة بمستواه قبل الحرب عام 2023، ما يعكس حجم الانهيار الذي أصاب مختلف الأنشطة الاقتصادية.
يحاول أصحاب المحال والبسطات استغلال موسم العيد لتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال سنوات الحرب. يقول التاجر سامي العصار إن الأسواق شهدت تنوعًا في المنتجات المستوردة، بعد أن سمحت سلطات الاحتلال بفتح المعابر، ما ساهم في انخفاض الأسعار نسبيًا وتحفيز حركة البيع، ولو بشكل محدود.
لكن الإقبال على شراء الملابس ما يزال ضعيفًا، ويكتفي كثير من المواطنين بالتجول في الأسواق ومتابعة الأسعار دون اتخاذ قرار الشراء، خوفًا من أي تطورات أمنية قد تؤدي إلى إغلاق المعابر مجددًا. كما يفضل الكثيرون الاحتفاظ بالأموال تحسبًا لأي طارئ، مع إعطاء الأولوية لشراء المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.
ويضيف التاجر أبو علاء نوفل أن بعض العائلات التي ما تزال أوضاعها المالية أفضل نسبيًا أقدمت على شراء ملابس العيد، إلى جانب المقبلين على الزواج، ما ساهم في تحريك السوق ولو بشكل محدود.
وقد أدى الدمار الواسع وتعطل الأنشطة الإنتاجية إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، حيث تشير التقديرات إلى أن معدل البطالة في غزة تجاوز 75%، وهو من أعلى المعدلات عالميًا، بعدما فقد عشرات الآلاف وظائفهم نتيجة تدمير المصانع والمنشآت التجارية.
كما تعرض نحو 80% من المنشآت الاقتصادية للتدمير الكلي أو الجزئي، ما أدى إلى شلل واسع في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات، فيما تراجع قطاع الإنشاءات بأكثر من 40% نتيجة الأضرار الكبيرة بالمباني والبنية التحتية.
وقال الخبير الاقتصادي د. ماهر الطباع إن المواطنين يعيشون حالة من الترقب لما ستؤول إليه الأوضاع خلال الفترة المقبلة، مع استمرار نقص السيولة وارتفاع الأسعار.
وأضاف لـ"فلسطين": "على الرغم من توفر بعض السلع حاليًا، إلا أن المواطنين يتخوفون من تقلبات مفاجئة، ما يدفعهم إلى الحذر في الإنفاق وتأجيل شراء الملابس أو الاكتفاء بما لديهم بالفعل."
وأشار إلى أن الأسواق شهدت حالة من الإقبال النسبي قبل موسم العيد بسبب النقص الكبير في احتياجات المواطنين بعد فترة طويلة من شح السلع، ما دفع كثيرًا من العائلات لشراء ما يلزم فور توفره.