- الاحتلال يسعى لتوجيه ضربات حاسمة للمقاومة والأخيرة أفشلتها
- (تل أبيب) تضغط على لبنان عبر طرح مبادرات للتفاوض المباشر
- التصعيد ضد إيران "محاولة لإضعاف محور المقاومة"
تتسارع وتيرة التصعيد العسكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط في ظل استمرار المواجهات بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة في لبنان، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) من جهة وإيران من جهة أخرى، ما يثير مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع قد يعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية ويترك تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية د. علي بيضون أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بالمواجهة التي استمرت 66 يوماً مع المقاومة في لبنان خلال ما عُرف بمعركة "أولي البأس"، مشيراً إلى أن (تل أبيب) لا تزال تسعى إلى توجيه ضربات حاسمة للمقاومة بهدف إنهاء قدراتها العسكرية التي تعتبرها تهديداً مباشراً لها.
طالع المزيد: القصف الصاروخي الإيراني.. انكشاف الجغرافيا واستنزاف الدفاعات الإسرائيلية
ويقول بيضون في حوار خاص مع صحيفة "فلسطين"، إن الاحتلال لم يلتزم باتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، موضحاً أن الخروقات الإسرائيلية تجاوزت عشرة آلاف خرق جوي وبحري وبري خلال نحو خمسة عشر شهراً، الأمر الذي أبقى حالة التوتر قائمة على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.
وأوضح أن هذه الخروقات دفعت المقاومة في لبنان إلى الاستمرار في الاستعداد لأي مواجهة محتملة، في ظل قناعة لديها بأن (إسرائيل) قد تسعى إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة أو اجتياح بري يستهدف مواقعها وقدراتها العسكرية، خصوصاً في المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني.
وبحسب بيضون، فإن المؤشرات الميدانية كانت تشير إلى تحضير إسرائيلي لعملية اجتياح بري قبل اندلاع الجولة الأخيرة من المواجهات، إلا أن المبادرة التي اتخذتها المقاومة بإطلاق الصواريخ والاستنفار العسكري أفشلت هذه الخطط، ما أدى إلى اندلاع جولة جديدة من الاشتباكات على الحدود.
ويشير إلى أن المواجهات الحالية أعادت الصراع إلى نقطة متقدمة على الجبهة اللبنانية، حيث تستمر الاشتباكات على طول الحدود، في حين تتواصل عمليات إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه العمق الإسرائيلي، الأمر الذي يفرض ضغوطاً متزايدة على الجبهة الداخلية للاحتلال.
ويعتقد بيضون أن (إسرائيل) تسعى في المقابل إلى زيادة الضغط على لبنان من خلال توسيع دائرة الاستهدافات، بما يشمل مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع والجنوب، إضافة إلى استهداف البنية التحتية والمناطق المدنية، في محاولة لإضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة وإرهاق المجتمع اللبناني.
طالع المزيد: تعثر الأهداف المبكرة للحرب على إيران... مؤشرات فشل للخطَّة الأمريكيَّة- الإسرائيليَّة
كما يشير إلى أن (تل أبيب) تحاول الضغط سياسياً على الحكومة اللبنانية عبر طرح مبادرات للتفاوض المباشر تحت ضغوط دولية، وطرح شروط تتعلق بأمن (إسرائيل) وترتيبات أمنية تعتبرها بيروت تفوق قدراتها في هذه المرحلة.
وفي المقابل، يوضح بيضون أن الرد اللبناني يتوزع بين المسار الدبلوماسي الذي تقوده الحكومة اللبنانية عبر اتصالات مع شركاء لبنان الدوليين لوقف الاعتداءات، والمسار العسكري الذي تقوده المقاومة بهدف فرض معادلة ردع تمنع (إسرائيل) من تحقيق أهدافها العسكرية أو السياسية.
التوتر مع إيران
وبالتوازي مع الجبهة اللبنانية، تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) وإيران، حيث يرى بيضون أن واشنطن وتل أبيب تنظران إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر لمصالحهما في المنطقة.
ويشير إلى أن الضغوط العسكرية والسياسية على إيران ترتبط بملفات عدة، أبرزها البرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية، إضافة إلى دعم طهران لحركات المقاومة في المنطقة، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة و(إسرائيل) عائقاً أمام مشاريعهما الإقليمية.
ويرى بيضون أن التصعيد ضد إيران يأتي أيضاً في سياق محاولة إضعاف ما يُعرف بمحور المقاومة بعد الحرب على غزة وامتداد المواجهات إلى لبنان، معتبراً أن تل أبيب وواشنطن تسعيان إلى منع إيران من تعزيز هذا المحور أو إعادة بناء قدراته.
ومع ذلك، يشير إلى أن القدرات العسكرية للولايات المتحدة و(إسرائيل)، رغم قوتها، ليست مطلقة، وأن استمرار الحروب لفترات طويلة قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي وعسكري للطرفين، ما قد يدفعهما في نهاية المطاف إلى البحث عن تسويات سياسية.
ويضيف أن المنطقة تعيش حالياً ما يشبه "معركة عضّ الأصابع"، حيث يعتمد كل طرف على قدرته على الصمود والاستمرار في المواجهة، الأمر الذي قد يفرض لاحقاً مساراً تفاوضياً إذا تعذر تحقيق حسم عسكري سريع.
توسع الصراع
ويحذر بيضون من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى اتساع رقعة المواجهة لتشمل دولاً أخرى في المنطقة، خاصة مع حساسية الممرات البحرية الاستراتيجية مثل البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز.
ويشير إلى أن أي اضطراب واسع في هذه المناطق قد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في حال ارتفاع أسعار النفط أو تعطّل حركة التجارة الدولية، ما قد يدفع قوى دولية أخرى إلى التدخل لاحتواء الأزمة.
كما يلفت إلى أن العالم يشهد مرحلة تحولات في النظام الدولي، مع تزايد التنافس بين القوى الكبرى مثل روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، الأمر الذي قد يجعل الصراعات الإقليمية جزءاً من صراع أوسع على النفوذ العالمي.
السيناريوهات القادمة
وحول السيناريوهات المحتملة، يرجح بيضون أن استمرار الحرب دون تحقيق حسم عسكري سريع قد يدفع الولايات المتحدة و(إسرائيل) إلى البحث عن مخرج سياسي، خصوصاً إذا واجهتا صعوبات في تحقيق أهدافهما في إيران أو لبنان.
ويشير إلى أن أحد السيناريوهات يتمثل في أن تعلن واشنطن و(تل أبيب) تحقيق أهداف عسكرية محدودة، مثل إضعاف القدرات النووية أو الصاروخية الإيرانية، قبل الانتقال إلى مرحلة التفاوض.
لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن إيران ما تزال ترفض وقف إطلاق النار أو تقديم تنازلات دون شروط، معتبرة أن المعركة لم تُحسم وأنها ما زالت قادرة على الصمود لفترة طويلة.
وبينما تبقى جميع الاحتمالات مفتوحة، يعتقد بيضون أن استمرار الضغط العسكري على عدة جبهات، بما فيها لبنان والعراق وفلسطين وربما اليمن، قد يجعل من الصعب على الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق انتصار حاسم.
ويخلص إلى أن هذا الواقع قد يدفع الأطراف المتصارعة في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية، في حال وصلت الحرب إلى مرحلة الاستنزاف التي تجعل استمرارها أكثر كلفة من إنهائها.

