في قطاع غزة، حيث تتشابه صور الركام ويتكرر صوت الانفجارات، تقف عبير زيارة كل صباح أمام اختبار جديد للحياة. أم لثمانية أطفال، تحولت خلال حرب امتدت لعامين ونصف العام من ربة منزل بسيطة إلى السند الوحيد لعائلة كاملة، بعد أن غاب زوجها في رحلة عمل خارج البلاد. وبين الخوف والجوع والنزوح، تحاول عبير أن تحرس ثمانية قلوب صغيرة من الانكسار.
تعيش عبير مع أطفالها الثمانية، أكبرهم يقترب من سن الشباب وأصغرهم لم يتجاوز الرابعة. كانت حياتها قبل الحرب تسير بهدوء نسبي في حي تل الهوا جنوب مدينة غزة، لكنها وجدت نفسها فجأة أمام واقع قاسٍ، بعد أن تحولت الحرب إلى ضيف ثقيل يقتحم تفاصيل يومها ويبدل مسار حياتها بالكامل.
تقول عبير لصحيفة "فلسطين": "لم أكن أخاف على نفسي… كنت أخاف أن أفقد أحد أطفالي وأنا عاجزة عن حمايته".
نزوح تحت القصف
مع الأيام الأولى للحرب، أصبح منزل العائلة في تل الهوا منطقة خطرة، بعدما طاله القصف مرات عدة، ما أجبرها على النزوح داخل مدينة غزة أكثر من مرة. كانت تحمل أطفالها الثمانية، وتحاول إنقاذ ما استطاعت من مقتنيات منزلها وذكرياته.
ورغم موجات النزوح الجماعي نحو جنوب القطاع، رفضت عبير مغادرة المدينة وحدها مع أطفالها.
تقول: "كنت أسمع عن أطفال قُتلوا في الطريق… كيف أخرج بثمانية أطفال دون سند؟ فضّلت البقاء تحت الخطر القريب على طريق لا أعرف نهايته".
اختارت البقاء في غزة، حيث الخوف حاضر في كل لحظة، لكنها كانت ترى أن بقاء أطفالها معها أهم من خوض طريق مجهول.
في إحدى الليالي، دوّت انفجارات عنيفة قرب المكان الذي احتموا فيه، فجمعت أبناءها بسرعة وخرجت بهم إلى الشارع المظلم. بعضهم كان حافي القدمين، وآخرون يبكون من شدة الرعب.
تروي: "كنت أعدّهم بصوت منخفض وأنا أركض… واحد، اثنان، ثلاثة… كنت أخشى أن ألتفت فأجد أحدهم قد اختفى".
معركة الجوع
لم يكن القصف وحده ما تخشاه عبير؛ فالجوع كان معركة يومية أخرى. مرت أيام طويلة دون طعام كافٍ، وكان الأطفال ينامون أحيانًا بلا عشاء، بينما تحاول هي إقناعهم بأن الغد سيكون أفضل.
تقول: "كنت أشرب الماء فقط لأقنع بطني أنني أكلت، وأترك ما يتبقى للأطفال".
أما الحصول على الماء فكان رحلة شاقة أيضًا، إذ كانت تقف لساعات طويلة في طوابير للحصول على كمية محدودة تكفي أسرتها ليوم واحد.
ومع مرور الوقت، نفد المال القليل الذي تركه زوجها قبل سفره إلى تركيا للعمل. لم تجد عبير أمامها خيارًا سوى بيع ما تبقى من مقتنيات منزلها التي نجت من الدمار.
تقول بحزن: "بعت أشياء كنت أظن أنها ستبقى معنا العمر كله… لكنها تحولت إلى كيلو طحين ليوم واحد فقط".
عمل بسيط… وكرامة كبيرة
ولكي توفر الحد الأدنى من الطعام، بدأت عبير تحميص الحمص وبيعه لأطفال المخيم الذي تقيم فيه. كانت تجلس ساعات طويلة قرب موقد بدائي، تراقب أطفالها وتخفي تعبها.
تقول: "لم أخجل من العمل أبدًا… كنت أخجل فقط عندما لا أجد ما أقدمه لأطفالي".
ساعدها إخوتها وعائلتها في تأمين بعض الاحتياجات، لكن الخطر كان يلاحق الجميع. فخلال توجه اثنين من إخوتها إلى حي الشجاعية لجلب الطعام، أصيبا خلال قصف إسرائيلي، لتدخل العائلة فصلًا جديدًا من القلق.
وفي ذروة موجة المجاعة الثانية، وقعت حادثة لا تنساها عبير.
خرج أحد إخوتها برفقة ابنها الأكبر للحصول على كيس طحين، لكن رصاص الاحتلال أصاب الأخ في بطنه. عاد الطفل إلى المنزل دون الطحين.
تقول عبير: "عاد ابني يبكي ويقول: بعته لننقذ خالي… وقتها شعرت أن الحرب سرقت حتى خبزنا".
اضطر الطفل إلى بيع كيس الطحين بمئة شيكل لتأمين أجرة نقل خاله المصاب إلى المستشفى، في مشهد يلخص قسوة الحياة التي يعيشها أطفال غزة.
أب ينتظر خلف الحدود
في الجانب الآخر من الحكاية، يقيم زوج عبير في تركيا، حيث يحاول منذ سنوات جمع شمل العائلة. قدم طلبات عديدة وسعى خلف كل فرصة ممكنة لإخراجهم من غزة.
حتى إنه، كما تقول عبير، عرض بيع كليته لتأمين تكاليف سفرهم، لكن الحصار وتعقيدات الواقع أغلقت الأبواب أمامه.
تقول: "كان يقول لي اصبري… سأجمعكم عندي مهما كلف الأمر. هذا الوعد وحده كان يعطيني القوة".
أمل بسيط
اليوم، ما تزال عبير تعيش مع أطفالها الثمانية في غزة، مثقلة بالتعب لكنها متمسكة بالأمل. تحاول أن تصنع لهم حياة طبيعية قدر الإمكان وسط الخراب.
تقول: "لا أريد شيئًا كبيرًا… فقط بيتًا آمنًا، ومدرسة لأطفالي، وأن نجلس جميعًا مع والدهم على مائدة واحدة دون خوف".
قصة عبير ليست حكاية فردية، بل صورة لآلاف الأمهات في قطاع غزة اللواتي وجدن أنفسهن وحدهن في مواجهة الحرب، يحملن عبء الحياة وأمل النجاة في آن واحد.
وبين ركام البيوت وذكريات النزوح، ما تزال عبير تنتظر لحظة اللقاء بزوجها، اللحظة التي تنتهي فيها الحرب، ويبدأ فصل جديد عنوانه الوحيد: الحياة.