كان سيف بلال يتحرك في الملعب بخفة لاعب يحلم بمستقبل كبير في كرة القدم، يمرر الكرة بكلتا قدميه، يناور المدافعين، ويسدد بثقة نحو المرمى، في حين كان مدربوه يرون فيه موهبة واعدة قادرة على شق طريقها نحو النجومية.
منذ طفولته، ارتبط سيف باللعبة التي أحبها، ولعب ضمن الفئات السنية في ناديي فلسطين والمشتل بمدينة غزة، منتظرًا فرصة حقيقية لإثبات نفسه في الملاعب الفلسطينية.
لكن حرب الإبادة على قطاع غزة غيّرت حياة الشاب البالغ من العمر 19 عامًا بصورة قاسية؛ إذ فقد ساقه اليسرى، وخسر شقيقه الأكبر، كما دُمّر منزل عائلته، واضطر إلى النزوح مرات عديدة من منطقة إلى أخرى هربًا من القصف، لتتحول أحلام الملاعب إلى رحلة علاج طويلة ومعاناة يومية مع الإصابة والنزوح وفقدان الاستقرار.
من الملعب إلى الخيمة
يقيم سيف حاليًا داخل خيمة في منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، ويحاول التكيف مع حياته الجديدة مستخدمًا عكازًا يساعده على الحركة والتنقل. ورغم صعوبة الواقع، لم يفقد ارتباطه بكرة القدم، بل وجد فيها وسيلة للتمسك بالأمل واستعادة جزء من حياته التي سلبتها الحرب.
وخلال تلقيه جلسات العلاج في مركز الأطراف الصناعية التابع لبلدية غزة، التقى بأحد مدربي فريق "غزة الإرادة"، وهو فريق يضم لاعبين من مبتوري الأطراف، فلم يتردد في الانضمام إلى التدريبات، مدفوعًا برغبته في العودة إلى الملاعب مهما كانت الظروف.
ومع كل حصة تدريبية، كان يستعيد جزءًا من ثقته بنفسه ولياقته البدنية، وبدأ يقدم أداءً لافتًا داخل الفريق. ووجد بين زملائه لاعبين يعيشون التجربة ذاتها، ويحاولون تجاوز الإصابة عبر الرياضة والمنافسة. بالنسبة له، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت مساحة للتحدي وكسر الإحباط.
وتعرض سيف للإصابة خلال نزوح عائلته إلى مخيم النصيرات وسط القطاع، حين أطلقت آليات الاحتلال النار عليهم، ما أدى إلى بتر ساقه اليسرى أسفل الركبة في الخامس من مارس/آذار 2024.
وبعد فترة قصيرة، تلقى صدمة أخرى باستشهاد شقيقه الأكبر فايق، أثناء وجوده داخل محل تجاري في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة.
عودة بقدم واحدة
ورغم كل تلك المعاناة والفقد، واصل سيف طريقه مع فريق "غزة الإرادة"، وشارك في بطولتين حقق خلالهما الفريق نتائج جيدة، فيما لفت هو الأنظار بقدراته البدنية ومستواه الفني، الأمر الذي فتح أمامه باب الانضمام إلى منتخب فلسطين لكرة القدم لمبتوري الأطراف.
ويقول سيف، لصحيفة "فلسطين"" إن "وجوده داخل الملعب يمنحه شعورًا مختلفًا، لأنه يرى لاعبين يواجهون الظروف ذاتها لكنهم يرفضون الاستسلام"، مؤكدًا أن حلمه اليوم يتمثل في تمثيل فلسطين في البطولات الخارجية وتحقيق إنجازات رياضية رغم الإصابة.
ولا تتوقف معاناته عند الجانب الصحي فقط، فرغم نجاحه في الثانوية العامة، لم يتمكن من الالتحاق بالجامعة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف الدراسة والمواصلات، إضافة إلى حاجته لاستكمال العلاج وإجراء عمليات إضافية في ساقه المبتورة.
من جهته، يؤكد رئيس جمعية فلسطين لكرة القدم للبتر، فؤاد أبو غليون، أن أعداد المصابين الذين فقدوا أطرافهم ارتفعت بشكل كبير خلال حرب الإبادة، ما يستدعي توفير برامج رياضية ونفسية تساعدهم على الاندماج واستعادة الثقة بأنفسهم.
وأشار أبو غليون إلى أن الرياضة أصبحت وسيلة مهمة لدعم المصابين والتخفيف من آثار الصدمات النفسية والجسدية التي خلفتها الحرب، مؤكدًا أن قصصًا مثل قصة سيف بلال تمثل نموذجًا حيًا للإرادة والصمود رغم قسوة الظروف