قائمة الموقع

بقدمٍ واحدة يواصل الطرق على الحديد... ناهض المسارعي يصلح ما أفسدته الحرب

2026-03-09T15:15:00+02:00
داخل ورشة حدادة صغيرة في قطاع غزة.. يواصل ناهض صبحي المسارعي عمله
فلسطين أون لاين

داخل ورشة حدادة صغيرة في قطاع غزة، يجلس ناهض صبحي المسارعي أمام طاولة معدنية ثقيلة، يطرق بيده على قطع حديدية أعوجتها صواريخ الاحتلال. لم يعد يقف كما كان يفعل طوال سنوات عمله، فالرجل الذي اعتاد الوقوف ساعات طويلة خلف مطرقته، فقد قدمه اليسرى في قصف إسرائيلي، لكنه لم يفقد إرادته في العمل والحياة.

ببطء، يتحرك المسارعي (53 عامًا) داخل ورشته مستندًا إلى جهاز مساعد للمشي، في حين يتخذ من كرسي حديدي مقعدًا دائمًا له أمام طاولة العمل. وبينما يساعده الأصدقاء أو أصحاب الورش المجاورة في حمل القطع الثقيلة، يواصل إصلاح أبواب وصفائح حديدية أعطبتها الحرب، ليعيد استخدامها في ترميم منازل أو مصالح صغيرة دمرتها الصواريخ.


 

ورشة تعاند الحرب

طوال ربع قرن، عمل المسارعي في مهنة الحدادة، بعد سنوات قضاها في أعمال البناء. ومع تصاعد الدمار في غزة خلال عامين من حرب الإبادة، تحولت ورشته إلى محطة لإعادة تدوير الحديد المتضرر، حيث يأتيه المواطنون بقطع معدنية متضررة ليعيد تشكيلها أو إصلاحها لتخدمهم مجددًا.

يقول المسارعي لصحيفة "فلسطين" إن الحديد الذي يصل إلى ورشته غالبًا ما يكون من أبواب أو نوافذ أو صفائح تضررت جراء القصف، ويحتاج إلى جهد كبير لإعادته إلى الاستخدام. ورغم صعوبة العمل، فإنه يجد في كل قطعة يصلحها معنى جديدًا للصمود في وجه الدمار.

لكن حياة الرجل تغيرت بالكامل في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2024.

لحظة قلبت الحياة

في ذلك اليوم، كان المسارعي يعمل بعقد مؤقت داخل مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، والتي كانت تستخدم مركزًا لإيواء النازحين.

يتذكر تلك اللحظات قائلاً إن العاملين في مركز الإيواء كانوا يستعدون لتناول طعام الغداء، حين سقطت عدة صواريخ إسرائيلية على المدرسة بشكل مفاجئ.


 

في لحظات، تحول المبنى إلى ركام، وسقط النازحون والعاملون بين شهيد وجريح ومفقود. لم يدرك المسارعي ما حدث له إلا عندما استعاد وعيه داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح.

هناك أخبره الأطباء أن قدمه اليسرى بُترت نتيجة الإصابة البالغة التي تعرض لها.

لم يفقد قدمه فقط، بل تضرر سمعه في أذنه اليمنى أيضًا، وأصيب بشظايا في أجزاء مختلفة من جسده، ما تسبب له بمشكلات صحية لا يزال يعاني منها حتى اليوم.

عودة شاقة

خضع المسارعي بعد إصابته لعدة عمليات جراحية وجلسات تأهيل ودعم نفسي في مستشفيات ميدانية داخل قطاع غزة. وبعد أشهر من العلاج، اتخذ قرارًا صعبًا: العودة إلى عمله في الحدادة.


 

يصف عودته إلى الورشة بأنها "رحلة شاقة وصعبة للغاية"، فالمهنة التي تعتمد على الجهد البدني والوقوف الطويل أصبحت أكثر قسوة بعد فقدانه قدمه.

ومع ذلك، يحاول التكيف مع واقعه الجديد. يجلس معظم الوقت على كرسي حديدي، بينما يتنقل داخل الورشة باستخدام جهاز المشي المساعد، مستعينًا بالأصدقاء في بعض الأعمال التي تتطلب قوة أكبر.

ورغم ذلك، يشعر المسارعي بالفخر لأنه تمكن من العودة إلى العمل وإعالة أسرته، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية يعيشها سكان غزة.

حلم بالعلاج

لا يخفي الحداد الغزي أمله في السفر إلى الخارج لاستكمال علاجه، إذ يحتاج إلى عمليات جراحية إضافية، بينها بتر جزء إضافي من الساق لتأهيلها لتركيب طرف صناعي، إضافة إلى عملية في الكتف ومتابعة مشكلات صحية أخرى.

ومع ذلك، تبقى فرص العلاج محدودة في ظل الحصار والدمار الذي طال القطاع.

قصة المسارعي ليست استثناءً في غزة. فبحسب تقديرات مؤسسات حكومية وأهلية، ارتفع عدد مبتوري الأطراف خلال الحرب الأخيرة إلى نحو 4500 شخص، يضافون إلى ما يقارب ألفي شخص بُترت أطرافهم في حروب سابقة.

ويعيش هؤلاء أوضاعًا إنسانية صعبة في ظل نقص حاد في مواد تصنيع الأطراف الصناعية، وقلة مستلزمات علاج الجروح، ما يهدد آلاف الجرحى الآخرين بخطر البتر.

كما يواجه كثير من المصابين تحديات صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية معقدة، في ظل تدمير البنية التحتية الصحية وشح الإمكانات الطبية داخل القطاع.

بين المطرقة والجرح

رغم كل ذلك، يواصل ناهض المسارعي عمله داخل ورشته الصغيرة، ممسكًا بمطرقته التي لم تسقط من يده منذ سنوات طويلة.

فالرجل الذي فقد قدمه تحت ركام القصف، لا يزال يطرق الحديد يوميًا، كأنه يحاول أن يصلح – قطعة بعد أخرى – ما دمرته الحرب في غزة.

اخبار ذات صلة