في زمن الحروب الحديثة، لم يعد من السهل إخفاء التحركات العسكرية أو حجم الخسائر. فمع تطور تقنيات الاستشعار عن بعد، باتت الأقمار الصناعية قادرة على رصد أدق التفاصيل على سطح الأرض، وصولًا إلى متابعة تحركات دبابة واحدة من ارتفاع يناهز 500 كيلومتر.
ويقول أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد في جامعة تشابمان الأميركية الدكتور هشام العسكري إن الأقمار الصناعية تنقسم إلى نوعين رئيسيين: أقمار عسكرية تُستخدم للمراقبة اللحظية وجمع المعلومات الاستخباراتية وتوجيه الضربات ومتابعة التحركات العسكرية، وأقمار مدنية تُستخدم غالبًا لتحليل نتائج العمليات العسكرية بعد وقوعها.
وأوضح أن الاختلاف بين النوعين لا يقتصر على التقنية بقدر ما يتعلق بطبيعة المهمة؛ فالأقمار العسكرية توفر بيانات آنية ومستمرة، بينما ترتبط صور الأقمار المدنية بلحظة التقاطها، ما يجعلها أداة فعالة لتوثيق آثار العمليات العسكرية وتحليلها.
الانعكاس الطيفي
تعتمد العديد من الأقمار الصناعية على مبدأ فيزيائي يُعرف بـ"الانعكاس الطيفي". فعندما يصل ضوء الشمس إلى سطح الأرض تحدث ثلاث عمليات: انعكاس جزء من الضوء، وامتصاص جزء آخر يتحول غالبًا إلى حرارة، إضافة إلى انتقال جزء من الضوء عبر المادة. وتستفيد الأقمار الصناعية من الضوء المنعكس فقط لرصد الأجسام المختلفة.
ولأن لكل مادة على الأرض "بصمة طيفية" تعكس الضوء بنسب مختلفة، يمكن للأقمار الصناعية تمييز المباني والمركبات العسكرية والطرق وحتى الغطاء النباتي.
ويعد القمر الصناعي وورلد فيو-3، الذي تديره شركة "ماكسار تكنولوجيز"، من أبرز الأقمار التي تستخدم هذه التقنية؛ إذ يستطيع التقاط صور بدقة تصل إلى نحو 31 سنتيمترًا، ما يتيح تمييز المركبات والدبابات بشكل فردي.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون من "إمبريال كوليدج لندن" أن هذا القمر يمكنه رصد حركة المرور في مدينة كاملة بدقة عالية، حيث تمكن الباحثون من متابعة السيارات في شوارع برشلونة شارعًا شارعًا، ما يوفر بيانات مفصلة حتى في المناطق التي تفتقر إلى أنظمة مراقبة أرضية.
تداخل الموجات الرادارية
إلى جانب الضوء المرئي، تعتمد أقمار أخرى على تقنية تداخل الموجات الرادارية، التي تسمح بقياس تغيرات دقيقة جدًا في سطح الأرض قد لا تتجاوز بضعة مليمترات.
وتعمل هذه التقنية عبر إرسال موجات رادارية نحو الأرض لتنعكس عن المباني والتربة والصخور ثم تعود إلى القمر الصناعي. وعند مرور القمر مجددًا فوق المنطقة نفسها، تُلتقط صورة ثانية، ويُقارن العلماء الفرق بين الصورتين لاكتشاف التغيرات الدقيقة في الارتفاع أو الحركة.
ومن أبرز الأقمار التي تستخدم هذه التقنية القمر سينتنال-1 التابع لوكالة الفضاء الأوروبية. وتمتاز هذه الأقمار بقدرتها على العمل ليلًا ونهارًا واختراق السحب والدخان، ما يجعلها أداة مهمة في متابعة مناطق النزاعات ورصد الأضرار في البنية التحتية.
وقد استخدمت دراسة علمية أكثر من 17 ألف صورة رادارية التقطها القمر بين عامي 2022 و2023 لتحليل الأضرار في أوكرانيا، وأظهرت النتائج أن نحو 264 كيلومترًا مربعًا من المناطق العمرانية تعرضت لأضرار محتملة، معظمها قرب خطوط المواجهة.
إشعاع الجسم الأسود
تعتمد فئة ثالثة من الأقمار على الأشعة تحت الحمراء وفق مبدأ فيزيائي يُعرف بـ"إشعاع الجسم الأسود"، الذي ينص على أن أي جسم ساخن يصدر طاقة على شكل إشعاع كهرومغناطيسي يتناسب مع درجة حرارته.
وتستخدم هذه الأقمار حساسات حرارية ترصد الإشعاع المنبعث من الأجسام مثل المركبات والمحركات والحرائق وحتى البشر، ثم تُحوَّل هذه الإشارات إلى صور رقمية تُظهر الفروق الحرارية بوضوح.
وتُعد هذه التقنية ذات أهمية كبيرة في المجال العسكري، إذ يمكن من خلالها كشف المركبات العسكرية حتى لو كانت مموهة، عبر رصد الحرارة الصادرة عن محركاتها، كما تُستخدم في تتبع عمليات إطلاق الصواريخ التي تنتج لهبًا شديد الحرارة.
ومن بين الأقمار المدنية التي تستخدم هذه التقنية سينتنال-3 الأوروبي ولاندسات-9 التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، حيث تُوظف أساسًا في مراقبة الكوارث الطبيعية مثل الحرائق والفيضانات والانهيارات الأرضية، إضافة إلى متابعة آثار التغير المناخي.
وسيلة لمتابعة الحروب
ورغم محدودية المعلومات المتاحة حول الاستخدامات العسكرية المباشرة للأقمار الصناعية، فإن صور الأقمار المدنية أصبحت أداة مهمة لوسائل الإعلام والباحثين لمتابعة آثار النزاعات المسلحة.
ويشير العسكري إلى أن هذه الصور وفرت في أوقات عديدة أدلة بصرية على حجم الأضرار في القواعد العسكرية والمطارات والمنشآت الحيوية، إضافة إلى رصد تحركات المركبات والسفن المتضررة، ما يمنح المراقبين وسيلة مستقلة لمتابعة مجريات الحروب وتحليلها.

