فلسطين أون لاين

تقرير الحرب تدفع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى نزوح جديد وسط أزمة إنسانية متفاقمة

...
لا توجد إحصائية دقيقة لأعداد النازحين الفلسطينيين من المخيمات الفلسطينية في لبنان
بيروت – غزة / جمال غيث:

تجد آلاف العائلات الفلسطينية في لبنان نفسها أمام موجة نزوح جديدة، مع اتساع رقعة التصعيد العسكري في المنطقة وتزايد الغارات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وبين مخيمات مكتظة أصلًا وأزمة اقتصادية خانقة تضرب البلاد منذ سنوات، تتضاعف معاناة اللاجئين الذين يواجهون ظروفًا إنسانية قاسية مع محدودية الموارد وتراجع الخدمات الأساسية.

ويأتي هذا الواقع في ظل مخاوف متزايدة من اتساع نطاق المواجهات إقليميًا، الأمر الذي يهدد بزيادة أعداد النازحين ويضع المخيمات الفلسطينية، التي تعاني أصلًا من الاكتظاظ وضعف البنية التحتية، أمام ضغوط إنسانية غير مسبوقة.

وخلال الأيام الماضية، صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي من هجماته الجوية على لبنان، مستهدفًا مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت ومناطق في الجنوب والشمال. وأسفر القصف عن سقوط عدد من الضحايا والجرحى، بينهم فلسطينيون يقيمون في المخيمات.

ويُعد استهداف مناطق قريبة من المخيمات الفلسطينية أو محيطة بها تطورًا خطيرًا، إذ يوسع دائرة التهديد لتشمل اللاجئين الذين يعيشون أصلًا في بيئة سكنية مكتظة وفقيرة بالخدمات الأساسية.

نزوح مستمر

وقال مسؤول اللجان الأهلية في المخيمات الفلسطينية في لبنان محمد الشولي إن المخيمات الفلسطينية تأثرت بشكل كبير جراء الحرب الدائرة في المنطقة.

وأوضح الشولي لصحيفة "فلسطين" أن العديد من سكان المخيمات الواقعة في جنوب لبنان اضطروا إلى مغادرة منازلهم والنزوح نحو مناطق أكثر أمانًا في الشمال أو إلى مخيمات أخرى.

وأشار إلى أن مخيمات الجنوب، مثل الرشيدية وبرج الشمالي والبص، شهدت حركة نزوح واسعة نتيجة الغارات الإسرائيلية المتكررة على المنطقة، ما دفع العديد من العائلات الفلسطينية إلى التوجه نحو مخيمات الشمال مثل البداوي ونهر البارد، أو إلى مخيمات في بيروت مثل برج البراجنة.

وأوضح أن كثيرًا من العائلات النازحة اضطرت إلى الإقامة في ظروف بالغة الصعوبة؛ إذ لجأ بعضهم إلى منازل أقاربهم، فيما اضطر آخرون إلى المبيت في الطرقات أو داخل مبانٍ غير مجهزة للإيواء.

وأضاف أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في لبنان تزيد من تعقيد المشهد، خاصة أن معظم اللاجئين الفلسطينيين يعتمدون على العمل اليومي لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ومع توقف الأعمال وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، باتت كثير من العائلات عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وفق مسؤول اللجان الأهلية.

تراجع الخدمات الإنسانية

وأشار الشولي إلى أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" لم تعلن حتى الآن حالة طوارئ شاملة منذ بداية التصعيد، كما لم يتم فتح مراكز إيواء كافية داخل المخيمات لاستيعاب النازحين.

وأوضح أن بعض الأهالي اضطروا إلى استخدام مبانٍ عامة أو مدارس كمراكز إيواء مؤقتة، في ظل غياب الإمكانات اللازمة لتجهيزها بالفرش والأغطية والمواد الغذائية.

وأكد أن هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للاجئين الفلسطينيين، الذين يعانون أساسًا من تراجع الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية في المخيمات نتيجة الأزمة المالية التي تمر بها "الأونروا".

كما أعرب عن مخاوفه من اتساع دائرة النزوح في حال استمرار التصعيد العسكري، محذرًا من احتمال اضطرار سكان مخيمات الشمال أنفسهم إلى النزوح مجددًا إذا توسعت العمليات العسكرية.

واقع مأساوي للاجئين

من جانبه، أكد المختص بشؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الدكتور مجدي كريم أن اللاجئين الفلسطينيين تأثروا بشدة جراء الحرب من مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح كريم لـ"فلسطين" أن القصف الإسرائيلي دفع العديد من سكان المخيمات الجنوبية، مثل الرشيدية والبص وبرج الشمالي، إلى النزوح نحو مناطق أخرى، خصوصًا مخيمات الشمال التي تُعد أقل عرضة للقصف مقارنة بالمناطق الجنوبية.

وأشار إلى أن بعض العائلات لجأت إلى الإقامة لدى أقاربها أو في مناطق بعيدة نسبيًا عن مواقع المواجهات، بينما اضطرت عائلات أخرى إلى البحث عن مساكن مؤقتة رغم الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات.

وأضاف أن "الأونروا" افتتحت مركزًا محدودًا للإيواء في معهد سبلين يمكنه استيعاب نحو 700 شخص فقط، إضافة إلى مدرسة في منطقة البقاع اللبناني، إلا أن هذه الإمكانات تبقى غير كافية مقارنة بعدد النازحين المتزايد.

مخيمات تستقبل نازحين لبنانيين

ولفت كريم إلى أن بعض المخيمات الفلسطينية في لبنان بدأت تستقبل أيضًا عائلات لبنانية نزحت من المناطق الجنوبية، باعتبار أن بعض المخيمات تقع في مناطق أقل تعرضًا للقصف.

وأشار إلى أن مخيمات مثل نهر البارد والبداوي استقبلت آلاف العائلات اللبنانية التي اضطرت لمغادرة منازلها بسبب الغارات الإسرائيلية.

وأوضح أن هذا الواقع يزيد الضغط على المخيمات الفلسطينية التي تعاني أصلًا من الاكتظاظ وضعف البنية التحتية، ما يفاقم التحديات الإنسانية في تلك المناطق.

وأكد كريم أن الدولة اللبنانية لا تقدم مساعدات مباشرة للمخيمات الفلسطينية، نظرًا لأن مسؤولية تقديم الخدمات الأساسية للاجئين تقع على عاتق وكالة "الأونروا".

غير أن الوكالة تواجه أزمة مالية حادة منذ سنوات، ما أدى إلى تراجع قدرتها على توفير الخدمات الأساسية للاجئين، خصوصًا في ظل الأزمات الطارئة مثل الحرب الحالية.

وأشار إلى أن العديد من المؤسسات الأهلية والجمعيات المحلية تحاول سد جزء من هذا النقص عبر تقديم مساعدات إنسانية محدودة تشمل الغذاء والبطانيات وبعض الاحتياجات الأساسية.

وفي ظل استمرار القصف وتزايد أعداد النازحين، دعا كريم المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية إلى التحرك العاجل لدعم اللاجئين الفلسطينيين والنازحين اللبنانيين على حد سواء.

كما طالب بضرورة إعلان حالة طوارئ إنسانية وتوفير مراكز إيواء مجهزة بالاحتياجات الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية والمياه والفرش والأغطية، إضافة إلى تعزيز الدعم المالي لوكالة الغوث لضمان استمرار خدماتها.

وحذر من أن استمرار الحرب واتساع نطاقها قد يؤديان إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان، خاصة مع بقاء آلاف العائلات بلا مأوى واضطرار بعضها إلى المبيت في الشوارع أو داخل المركبات أو على الأرصفة.

وأكد أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون اليوم واحدة من أصعب المراحل منذ سنوات، في ظل تصاعد الصراع الإقليمي وتراجع الدعم الدولي، ما يجعلهم من أكثر الفئات هشاشة في مواجهة تداعيات الحرب المستمرة.

المصدر / فلسطين أون لاين