لم تعد تداعيات الحرب الدائرة بين "إسرائيل" وإيران تقتصر على الجبهة العسكرية، بل امتدت لتضرب قلب الاقتصاد الإسرائيلي، حيث تواجه مدينة "تل أبيب"، المركز المالي والتكنولوجي الأبرز في دولة الاحتلال، مؤشرات اضطراب اقتصادي متصاعد مع تصاعد المخاوف من هروب رؤوس الأموال وتجميد الاستثمارات.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار المواجهة قد يقود الاقتصاد الإسرائيلي إلى مرحلة انكماش بعد توقعات كانت تشير إلى نمو يقارب 5% خلال عام 2026، في ظل ارتفاع كلفة العمليات العسكرية وتراجع ثقة المستثمرين وتزايد المخاطر الأمنية التي تطال البنية الاقتصادية الحيوية.
وأوضح الاختصاصي الاقتصادي د. نائل موسى أن "تل أبيب" تمثل القلب النابض لقطاع "الهايتك" الإسرائيلي، وهو القطاع الذي يشكل نحو 54% من الصادرات الإسرائيلية.
وأشار موسى لصحيفة "فلسطين" إلى أن استثمارات التكنولوجيا في "تل أبيب" والمناطق المحيطة بها بلغت نحو 111 مليار دولار خلال عام 2025، مع تركّز كبير في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن الأسبوع الأول من العدوان شهد تعطل جولات التمويل لعدد من الشركات الناشئة، مع تصاعد المخاوف من استهداف مراكز البيانات ومنشآت البحث والتطوير، خصوصًا في منطقة هيرتزليا وضواحي "تل أبيب".
وعلى الصعيد اللوجستي، أوضح موسى أن التصعيد العسكري أدى إلى إغلاق متكرر للمجال الجوي والموانئ، ما تسبب في اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع أسعار السلع الأساسية داخل المدينة.
ووفق تقرير سلطة المطارات الإسرائيلية، انخفضت حركة المسافرين في مطار بن غوريون بنسبة 22%، مع قيام شركات طيران دولية كبرى بإلغاء أو تعليق بعض رحلاتها مؤقتًا، وهو ما يعزز حالة من "الحصار الاقتصادي غير المعلن" على "تل أبيب".
شلل في سوق العقارات
وذكر موسى أن سوق العقارات في تل أبيب، المصنفة من بين الأغلى عالميًا، دخلت حالة شبه شلل مع توقف عمليات البيع والشراء وتجميد عدد من مشاريع البناء.
ووفق بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، ارتفع عدد الشقق غير المباعة إلى نحو 86 ألف وحدة نتيجة تباطؤ الطلب وتوقف العمل في عدد من المواقع الإنشائية بسبب نقص العمالة.
من جهته، قدم الاختصاصي الاقتصادي د. سمير الدقران قراءة أعمق لتداعيات الأزمة، مؤكدًا أن الخسائر الاقتصادية لا تقتصر على تكلفة العمليات العسكرية وصواريخ الاعتراض، بل تمتد إلى ما وصفه بـ انهيار مفهوم "البيئة الاستثمارية الآمنة".
وأوضح الدقران لـ"فلسطين" أن "تل أبيب" كانت تُسوّق عالميًا باعتبارها مركزًا آمنًا للاستثمارات العابرة للقارات، إلا أن وصول التهديدات العسكرية المباشرة إلى قلب المركز التجاري أدى إلى اهتزاز هذه الصورة.
وأشار إلى أن ما يمكن وصفه بـ "النزيف الصامت" قد يتجاوز 12 مليار دولار شهريًا خسائر للاقتصاد الإسرائيلي ككل، ويتمثل في هروب رؤوس الأموال وتجميد العقود الاستثمارية طويلة الأمد التي كانت قيد التوقيع قبل اندلاع المواجهة.
وأضاف الدقران أن تكلفة التأمين على الديون السيادية الإسرائيلية ارتفعت بشكل ملحوظ، ما يعني أن الاقتراض الحكومي لتمويل العجز الناتج عن الحرب سيصبح أكثر كلفة.
وبحسب تقديرات معهد دراسات الأمن القومي في جامعة "تل أبيب"، فإن التكلفة المباشرة لصد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، بما في ذلك استخدام منظومتي "آرو" و"مقلاع داود"، قد تتراوح بين 4.3 و9.4 مليار شيكل لكل موجة هجومية كبرى.
ويرى الدقران أن سلطات الاحتلال قد تضطر خلال الفترة المقبلة إلى تخفيف بعض القيود الأمنية والاقتصادية في محاولة لإنعاش النشاط الاقتصادي، إلا أنه نبه إلى أن استعادة ثقة المستثمرين قد تستغرق سنوات في حال استمرار المواجهة.

