في ظل تصاعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران واتساع رقعة التوترات العسكرية والسياسية، يبرز تساؤل ملح حول مصير لجنة التكنوقراط التي كان من المفترضة أن تتولى إدارة الشؤون المدنية في قطاع غزة، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في القطاع آخذة بالتدهور بصورة غير مسبوقة.
وبينما كان يُنظر إلى تشكيل هذه اللجنة باعتباره خطوة انتقالية لإدارة القطاع بعيدًا عن التجاذبات السياسية، فإن غيابها العملي عن غزة يثير جدلاً واسعاً حول جدواها الحقيقية، ما يطرح تساؤلاً هل ستكتفي بالعمل عن بعد؟ أم أنها تحولت إلى مجرد غطاء سياسي يعكس عجز المجتمع الدولي عن فرض قرارات مجلس الأمن على (إسرائيل)؟
وكان من المفترض، وفق التفاهمات التي أُبرمت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن تبدأ حكومة التكنوقراط مهامها فور تثبيت وقف إطلاق النار، وعلى رأس أولوياتها تنظيم دخول المساعدات الإنسانية، الإشراف على إعادة الإعمار، تسهيل سفر الجرحى والمرضى، وإعادة الحد الأدنى من انتظام الحياة المدنية. لكّن الاحتلال لم يتلزم بتطبيق أي من بنود الاتفاق، ويواصل خروقاته للاتفاق.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن الحديث عن لجنة التكنوقراط لم يتجاوز حتى الآن حدود الطرح النظري، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكن معنيًا فعليًا بتنفيذ أي من الالتزامات التي طُرحت في سياق الاتفاقات المرتبطة بوقف إطلاق النار وترتيبات إدارة القطاع.
ويقول الصباح لصحيفة "فلسطين"، إن "ما قيل عن الاستعداد للقبول بلجنة التكنوقراط لم يكن سوى محاولة لتقديم صورة توحي بالتقدم نحو حل ما"، مشيراً إلى أن (إسرائيل) كانت تسعى أساسًا إلى تحقيق هدف محدد يتمثل في وقف المواجهة الميدانية بالشكل الذي يخدم مصالحها، مع الاستمرار في فرض الحصار وإطالة أمد السيطرة على القطاع.
ويوضح أن الاحتلال لم يلتزم بكل الخطوات التي تضمنها الاتفاق في المرحلة الأولى، معتبراً أن حالة التوتر الإقليمي، بما فيها المواجهات المفتوحة في أكثر من جبهة، تمنح الأطراف الدولية فرصة للهروب من استحقاقات الحلول السياسية المتعلقة بقطاع غزة.
وفيما يتعلق بلجنة التكنوقراط نفسها، يعتقد الصباح أن نشاطها الحالي – إن وجد – يقتصر على بعض اللقاءات والاجتماعات المحدودة، دون أي قدرة حقيقية على العمل الميداني داخل القطاع.
ويرى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن اللجنة لا تملك الأدوات أو المقومات أو الأموال التي تسمح لها بالعمل أصلاً، لأن خطتها كانت تقوم على مجموعة من الشروط الأساسية.
ووفق الصباح، فإن استمرار الحديث عن لجنة التكنوقراط في ظل هذه الظروف قد يكون جزءاً من محاولة لإطالة أمد الأزمة في قطاع غزة، بدلاً من حلها، مشيراً إلى أن اللجنة في وضعها الحالي قد تتحول إلى مجرد إطار شكلي أو "كاريكاتيري".
ويتوقع أن مستقبل لجنة التكنوقراط سيبقى معلقاً في الوقت الحالي، وأن دورها سيظل محدوداً أو شكلياً إلى أن يتم تنفيذ الالتزامات الأساسية المرتبطة بوقف إطلاق النار.
بدوره، يقول الخبير في الشأن السياسي المصري طلعت طه إن التطورات السياسية والميدانية في المنطقة حالت دون تنفيذ ما كان متوقعًا عقب مؤتمر السلام، خاصة فيما يتعلق بملف إعادة إعمار قطاع غزة ودخول لجنة التكنوقراط وبدء تنفيذ المرحلة الثانية من الترتيبات المطروحة لإدارة القطاع.
ويوضح طه لـ"فلسطين"، أن الوعود التي أُطلقت خلال المؤتمر، والتي أكد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضرورة الإسراع في إعادة الإعمار وتفعيل عمل لجنة التكنوقراط، لم تُترجم حتى الآن إلى خطوات عملية على الأرض، مشيرًا إلى أن وتيرة الأحداث الإقليمية أسهمت في تعطيل هذه المسارات.
وأضاف أن ترامب نفسه أصبح منشغلاً في المرحلة الحالية بالحرب الدائرة مع إيران، الأمر الذي جعله غير متفرغ لمتابعة تنفيذ ما تم التعهد به أو الضغط على الاحتلال لتسريع تنفيذ الالتزامات المتعلقة بقطاع غزة.
وأشار إلى أن نتنياهو بدوره منشغل بالتطورات العسكرية والسياسية المرتبطة بالحرب الإقليمية، وهو ما يُستخدم كذريعة لتأجيل تنفيذ الترتيبات المتعلقة بغزة، رغم أن لجنة التكنوقراط – وفق طه – لا ترتبط عمليًا بالحرب الدائرة ويمكن تنفيذها بمعزل عن التطورات العسكرية.
وأكد طه أن المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة النظام الدولي، موضحًا أن المجتمع الدولي عاجز عن فرض قراراته في ظل الهيمنة الأمريكية على القرار الدولي، خاصة في القضايا المرتبطة بـ(إسرائيل).
وقال إن قرارات مجلس الأمن الدولي لم تستطع في السابق وقف الحرب في غزة، كما لم تتمكن حتى الآن من التأثير على مسار الحرب في المنطقة، بما في ذلك المواجهة مع إيران، لأن تنفيذ تلك القرارات يبقى مرتبطًا بالموقف الأمريكي.
وأشار طه إلى أن تشكيل لجنة التكنوقراط في نهاية المطاف سيظل مرتبطًا بتطورات الحرب والتحولات العسكرية والسياسية في الإقليم، سواء اتجهت الأوضاع نحو التصعيد أو نحو التهدئة.
وختم بالقول، إن حكومة الاحتلال تسعى في الوقت الحالي إلى التهرب من تنفيذ الالتزامات المتعلقة بلجنة التكنوقراط، عبر طرح ذرائع مختلفة أو محاولة خلق مبررات سياسية تؤدي إلى تعطيل تنفيذها.