قائمة الموقع

الاقتصاد الإسرائيلي: بين قوة التكنولوجيا وهشاشة الاستنزاف

2026-03-08T09:00:00+02:00
فلسطين أون لاين

يخوض الاحتلال "الإسرائيلي" حروبًا متعددة الجبهات منذ ما يقارب عامين ونصف، مستنزفًا خلالها جزءًا هامًا من قدراته العسكرية والاقتصادية، لا سيما منذ اندلاع عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي فتحت المجال أمام حالة صراع ممتد على أكثر من جبهة إقليم، حيث عملت الولايات المتحدة خلال هذه الفترة بالاشتراك مع الاحتلال "الإسرائيلي" على تنفيذ العديد من الضربات الجوية والعمليات العسكرية التي تستهدف خصومه في المنطقة.

ويعتمد "الجيش الإسرائيلي" في حروبه بصورة كبيرة على نظام التعبئة العسكرية لقوات الاحتياط إلى جانب القوات النظامية العاملة في الميدان خلال السلم والحرب، حيث يتم استدعاء المدنيين للخدمة العسكرية عند اندلاع الحروب، ما يؤدي لإخلاء العديد من الوظائف المدنية في قطاعات مختلفة مثل السياحة والاقتصاد والتكنولوجيا والصحة والتعليم والبيئة وغيرها من القطاعات الحيوية داخل "الدولة".

ويمثل هذا النمط من التعبئة أحد أبرز ملامح ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بمفهوم اقتصاد الحرب حيث تتداخل القدرات الاقتصادية والبشرية للدولة مع متطلبات الصراع العسكري طويل الأمد، ونظرًا لأهمية الاقتصاد "الإسرائيلي"، فإن وجود أي ثغرة فيه يُعد تصدعًا لا يستهان به في "الدولة الإسرائيلية"، إذ تعتمد العديد من القطاعات الاقتصادية على شبكة متشابكة من الصناعة والتجارة والاستثمار الدولي، الأمر الذي يجعل الاقتصاد بمثابة شريان حيوي لاستمرار قدرة الدولة على تمويل العمليات العسكرية وإدارة الصراعات الممتدة.

وعليه فإن خصوم الاحتلال "الإسرائيلي" لا يألون جهدًا في محاولة تنفيذ عمليات تستهدف الاقتصاد "الإسرائيلي"، انطلاقًا من فرضية مفادها أن ضرب أحد القطاعات الاقتصادية الحيوية قد يؤدي لإضعاف البنية الداخلية للمجتمع والدولة معًا، وفي حال حدوث تراجع اقتصادي حاد، قد تواجه الدول الراعية للاحتلال مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوروبي ضغوطًا سياسية واستراتيجية لإعادة تقييم مستويات الدعم المقدم له، ويرتبط ذلك بمفهوم الأمن الاقتصادي الذي يشير إلى قدرة "الدولة" على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي في مواجهة الأزمات والصراعات، باعتباره أحد المكونات الأساسية للقوة الشاملة للدولة.

غير أن التساؤل الأهم يتمثل في: ما الشكل الذي يعتمد عليه الاحتلال في إدارة اقتصاده أثناء الحروب؟ وهل يمكن توجيه ضربة مؤثرة للاحتلال من خلال استهداف بنيته الاقتصادية؟

يُعد الاحتلال "الإسرائيلي" من أبرز الفاعلين عالميًا في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، حيث يمتلك شبكة واسعة من الشراكات الدولية في هذا المجال، وينظر الاحتلال إلى التكنولوجيا من منظور مزدوج يجمع بين البعدين الاقتصادي والأمني، فعلى الصعيد الاقتصادي، يسعى الاحتلال إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز ارتباط اقتصاده بالاقتصاد العالمي، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن قطاع التكنولوجيا المتقدمة يسهم بنسبة كبيرة من الناتج المحلي ويستقطب حصة مهمة من الاستثمارات الأجنبية، أما على الصعيد الأمني، فتُستخدم التكنولوجيا في تطوير أدوات المراقبة والاستخبارات وجمع البيانات.

وقد أدى هذا التداخل بين الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن إلى جعل قطاع التكنولوجيا أحد أهم أعمدة القوة في الاقتصاد "الإسرائيلي"، وفي الوقت ذاته أحد المجالات الحساسة التي قد تتأثر بسرعة في حال تعرض البيئة الأمنية والاقتصادية لاضطرابات كبيرة، كما أن وجود وحدات عسكرية وأمنية متخصصة في مجالات الاستخبارات التقنية والتنصت الإلكتروني يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، وبالتالي فإن التكنولوجيا لا تمثل مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل تشكل جزءًا من منظومة الأمن القومي للاحتلال.

ومن هذا المنطلق يرى بعض المحللين أن قطاع التكنولوجيا قد يتحول في الحروب غير المتماثلة إلى ساحة صراع إضافية، خصوصًا في ظل تصاعد أهمية الفضاء السيبراني في النزاعات الدولية المعاصرة، وهو ما يندرج ضمن إطار الحرب السيبرانية التي باتت تشكل أحد أبعاد الصراع بين الدول والفاعلين غير الحكوميين في العصر الرقمي.

ومع ذلك، من الجدير بالذكر أن الاقتصاد "الإسرائيلي" أظهر قدرة كبيرة على التكيف مع الأزمات والصراعات الإقليمية عبر العقود الماضية، فقد خاض الاحتلال عدة حروب وصراعات مثل حروب أعوام 1967 و1973 و1982، إضافةً للانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة والحروب على قطاع غزة، ورغم ذلك لم يتعرض الاقتصاد لانهيار شامل، كما أظهر الاقتصاد قدرة على التكيف مع أزمات عالمية مثل جائحة كورونا، وهو ما يعكس طبيعة الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الابتكار والتكنولوجيا والاستثمار في البحث العلمي.

ويرتبط ذلك بالتحول الاستراتيجي الذي انتهجه الاحتلال منذ تسعينيات القرن الماضي نحو الانفتاح الاقتصادي وتعزيز اقتصاد المعرفة، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية في مجالات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، ومع ذلك، فإن تأثير الحروب لا يتوزع بالتساوي على جميع القطاعات الاقتصادية، فغالبًا ما تتأثر قطاعات السياحة والنقل والخدمات والاستثمارات قصيرة الأمد بشكل أكبر مقارنة بقطاعات التكنولوجيا المتقدمة أو الصناعات المرتبطة بالأمن والدفاع.

لكن التحدي الأكبر الذي قد يواجه الاقتصاد "الإسرائيلي" في حال استمرار الحروب لفترات طويلة يتمثل في استنزاف العنصر البشري، خصوصًا في ظل الاعتماد الكبير على قوات الاحتياط التي تضم جزءًا هامًا من القوى العاملة في القطاعات الاقتصادية المتقدمة، فمع استمرار التعبئة العسكرية لفترات طويلة قد تتراجع القدرة الإنتاجية لبعض القطاعات الحيوية، وهو ما قد يضع الاقتصاد تحت ضغوط متزايدة، إذ إن أي اقتصاد في العالم – مهما بلغت قوته – يظل مرتبطًا بقدرة موارده البشرية على الاستمرار في الإنتاج والابتكار.

وفي هذا السياق، يرى بعض الباحثين أن الصراعات المعاصرة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل مجالات جديدة مثل الفضاء السيبراني والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية، لذا، فإن التركيز من قبل الجهات المناهضة للاحتلال قد يتجه نحو استهداف خطوط الحماية الاقتصادية والبنية التكنولوجية المرتبطة بها، باعتبار أن الاقتصاد المعاصر لم يعد يعتمد فقط على الموارد التقليدية، بل أصبح قائمًا بصورة كبيرة على البنية الرقمية وقواعد البيانات وأنظمة الاتصالات المتقدمة.

ويشير عدد من الباحثين في مجال الأمن السيبراني إلى أن الصراعات الحديثة باتت تشمل محاولات التأثير في البنية الرقمية للدول المنافسة، سواء من خلال تعطيل الأنظمة أو إرباك شبكات المعلومات أو استهداف البنية التحتية الرقمية، ومن ثمّ، فإن تعطّل المنظومات الرقمية أو تعرضها لاختلالات كبيرة قد يؤدي إلى تأثيرات اقتصادية وأمنية واسعة، نظرًا لاعتماد قطاعات حيوية مثل البنوك والطاقة والتجارة الإلكترونية والبحث العلمي على الأنظمة الرقمية المتقدمة.

ويعني ذلك أن الفضاء السيبراني بات يمثل ساحة صراع موازية لساحات القتال التقليدية، وهو ما يندرج ضمن ما يُعرف في الأدبيات المعاصرة بـ الحرب السيبرانية التي أصبحت أداة تستخدمها الدول والفاعلون غير الدولانيين في إطار المنافسة والصراع الدولي.

وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة، فإن أي اضطراب كبير في مراكز إدارة البيانات أو البنية التحتية الرقمية قد ينعكس ليس فقط على اقتصاد دولة بعينها، بل على شبكة العلاقات الاقتصادية العالمية المرتبطة بها، كما أن تصاعد الاعتماد العالمي على التكنولوجيا جعل الاقتصادات الكبرى مترابطة بدرجة عالية، الأمر الذي يعني أن أي خلل في إحدى العقد التكنولوجية المهمة قد ينعكس على أسواق وشركات في مناطق مختلفة من العالم.

وعليه، فإن الاقتصاد "الإسرائيلي" لا يمثل قوة اقتصادية منفصلة عن محيطها الدولي، بل يشكل جزءًا من شبكة اقتصادية عالمية واسعة، لذلك فإن أي صدمة اقتصادية كبيرة يتعرض لها قد تمتد آثارها بدرجات متفاوتة إلى شركائه الاقتصاديين وحلفائه الدوليين.

ومن هنا، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والعسكري في البيئة الإقليمية قد يفرض تحديات متزايدة على الاقتصاد "الإسرائيلي"، خصوصًا في حال تحوّل الصراع إلى صراع طويل الأمد متعدد الأدوات يشمل الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية في آنٍ واحد.

اخبار ذات صلة