يتعرض الاقتصاد الإسرائيلي لضغوط متزايدة مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة الكلفة، في وقت تتصاعد فيه النفقات الدفاعية وتتراجع مؤشرات النمو والثقة الاستثمارية، ما يضع الموازنة العامة أمام تحديات غير مسبوقة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار حالة التأهب القصوى والإغلاق الجزئي في العديد من القطاعات انعكس مباشرة على النشاط التجاري والصناعي والسياحي، في ظل تعطل سلاسل الإمداد وتراجع حركة الطيران والشحن، الأمر الذي أدى إلى خسائر يومية تُقدّر بعشرات الملايين من الشواكل.
الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس أوضح أن بقاء الإسرائيليين لفترات طويلة في الملاجئ لم يكن مجرد إجراء أمني، بل تحول إلى ما يشبه "إضراباً قسرياً" شلّ مفاصل حيوية في الاقتصاد، وأوقف عجلة الإنتاج والخدمات، مخلّفاً خسائر مباشرة للشركات يصعب تعويضها.
الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس: "بقاء الإسرائيليين لفترات طويلة في الملاجئ لم يكن مجرد إجراء أمني"
وأضاف أبو الروس لصحيفة "فلسطين" أن تداعيات التصعيد لم تقتصر على الداخل، بل امتدت إلى قطاع الطاقة، بعد وقف تصدير الغاز إلى الأردن ومصر، ما تسبب بانكماش فوري في الإيرادات. وأشار إلى أن موازنة عام 2026، التي تعاني أصلاً من عجز مرتفع، قد تواجه ضغوطاً إضافية في حال استمرار الإنفاق العسكري بوتيرته الحالية.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم التحدي؛ إذ طلبت وزارة الجيش ميزانية قياسية لعام 2026 تُقدّر بنحو 45 مليار دولار (144 مليار شيكل)، ما دفع العجز المالي إلى قرابة 6% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزاً السقف المستهدف البالغ 4%. كما يُتوقع أن يرتفع الدين العام إلى نحو 75% من الناتج، ما يعني استنزاف جزء متزايد من الموارد لسداد فوائد الديون بدلاً من توجيهها للإنفاق التنموي والخدماتي.
بدورها، خفّضت وكالات التصنيف الائتماني الدولية، من بينها Moody's وStandard & Poor's، نظرتها المستقبلية للاقتصاد الإسرائيلي، في خطوة رفعت كلفة الاقتراض الخارجي وزادت من الضغوط على المالية العامة.
ويُعد قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد، من أكثر القطاعات تأثراً، نتيجة ارتفاع "علاوة المخاطر" وتردد المستثمرين الأجانب، ما أدى إلى تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال وتعثر بعض المشاريع.
وتشير تقديرات بحثية صادرة عن JINSA إلى أن تكلفة التصدي لهجوم صاروخي مكثف لعدة ساعات قد تتراوح بين 1.1 و1.6 مليار دولار، في ظل ارتفاع كلفة الصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع المتقدمة. كما قدّر بنك إسرائيل الأعباء المالية التراكمية للفترة بين 2023 و2025 بنحو 80 مليار دولار (255 مليار شيكل)، تشمل النفقات العسكرية وتعويضات الجبهة الداخلية.
من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة أن تزامن التصعيد مع بداية الموسم السياحي ضاعف من حجم الخسائر، مع تراجع الحجوزات وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة: "تزامن التصعيد مع بداية الموسم السياحي ضاعف من حجم الخسائر"
وأوضح لـ"فلسطين" أن استمرار عدم الاستقرار يضعف قرارات الاستثمار طويلة الأجل، ويرفع النفقات الدفاعية والمدنية في آن واحد، ما يفاقم الضغوط على الموازنة ويؤخر أي تعافٍ محتمل.
ورغم هذه المؤشرات القاتمة، يرى دراغمة أن الاعتبارات الأمنية والعسكرية تظل أولوية لدى صانع القرار، حتى وإن جاء ذلك على حساب التوازنات الاقتصادية، لافتاً إلى أن الدعم الخارجي يسهم في تخفيف جزء من الأعباء، لكنه لا يلغي المخاطر البنيوية التي تتفاقم مع إطالة أمد الحرب.