فلسطين أون لاين

صعود الصين وأفق المشروع الحضاري الفلسطيني العربي

من يقرأ المقال المهم للأستاذ غسان جابر " الصين… قصة التنين الذي استيقظ ليقود العالم" في 5/3/2026، وما تضمنه من عرض واضح معزز بالأرقام للتحول الاقتصادي الهائل الذي حققته الصين خلال العقود الأربعة الماضية. يدرك أن ما أنجزته الصين على مستوى الاقتصاد والبنية التحتية وانتشال مئات الملايين من الفقر يمثل تجربة تنموية استثنائية أعادت بالفعل رسم جزء مهم من موازين القوة في العالم.

لكن السؤال الأعمق الذي يثيره المقال حول صعود الصين لا يتعلق فقط بانتقال مركز الثقل في الاقتصاد العالمي، بل بطبيعة النظام الحضاري الذي يتحرك داخله هذا التحول. فالتاريخ الحديث يُظهر أن تغيّر موازين القوة داخل النظام الدولي لا يعني بالضرورة تغيّر طبيعته، لأن موازين القوة قد تتبدل بينما تبقى الفلسفة التي تحكم النظام العالمي على حالها.

بعد الحرب العالمية الثانية صعد الاتحاد السوفييتي كقوة كبرى موازية للغرب، وبدت لحظةً وكأن العالم يتجه نحو توازن مختلف، بل إن كثيرين في العالم الثالث آنذاك رأوا في هذا الصعود فرصة للخلاص من الهيمنة الغربية. غير أن التجربة الفلسطينية والعربية خصوصا، سرعان ما كشفت أن الصراع بين المعسكرين لم يكن صراعا بين رؤيتين حضاريتين متناقضتين، بقدر ما كان اختلافا في نمط إدارة العالم داخل الإطار نفسه للحداثة المادية.

ولهذا لم يكن مستغربًا، وإن كان صادما لكثيرين، أن يتوافق المعسكران، رغم خصومتهما الأيديولوجية، على إنشاء الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الإحلالي في فلسطين وتشريع وجوده ضمن النظام الدولي الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية.

فالدولة الاستعمارية المستحدثة لم تكن مجرد مشروع سياسي عابر، بل كانت تعبيرا عن بنية حضارية أعمق تشكلت داخل النظام الدولي الحديث، حيث تتقاطع مصالح القوة مع منطق السيطرة على الجغرافيا، وإعادة تشكيل المجال السياسي للمنطقة بما يوفر فرصا لتعزيزالنفوذ.
لقد حاول النظام الاشتراكي أن يقدم نموذجا أكثر عدالة في توزيع الثروة والموارد، وأن يحدّ من التفاوت الاجتماعي الذي أنتجه النظام الرأسمالي.

لكن في كلا النموذجين، الرأسمالي والاشتراكي، بقي العالم يُدار داخل الأفق ذاته الذي تشكلت فيه الحداثة المادية، حيث ظلت القوة والإنتاج والتراكم المحددات الأساسية لتنظيم العالم. فالإنسان في كلا النموذجين لم يكن مركز المعنى، بقدر ما كان جزءا من منظومة إنتاجية كبرى. ولذلك أخفق النموذج الاشتراكي في تشكيل بديل حضاري حقيقي يعيد الإنسان إلى مركز المعنى، لا إلى مجرد عنصر داخل منظومة الإنتاج.

كما أخفق في السباق التنافسي مع النموذج الحداثي الغربي الذي جره إلى سباق تسلح استنزف الموارد والطاقات، وأدى في النهاية إلى إنهاك التجربة الاشتراكية وعجزها عن تحقيق وعودها الكبرى بالعدالة والحرية والازدهار.

من هذه الزاوية، قد يعيد صعود الصين رسم موازين القوة العالمية، لكنه لا يضمن بالضرورة تغيرا في طبيعة النظام الذي أنتج كثيرا من اختلالات العالم المعاصر.

 فالصين، رغم خصوصية تجربتها التاريخية والثقافية، تتحرك حتى الآن في فضاء الاقتصاد العالمي ذاته الذي تشكلت قواعده في ظل الحداثة الصناعية، حيث يستمر التنافس على التكنولوجيا والأسواق ومراكز النفوذ بوصفه المحرك الرئيسي للعلاقات الدولية.

وهنا يبرز السؤال الأعمق ليس فقط بالنسبة لفلسطين والعرب، بل وللإنسانية جمعاء:

هل يتغير مركز القوة فقط، أم يتغير التصور الحضاري الذي يحكم العالم؟

 وهل يكفي انتقال القوة من الغرب إلى الشرق لكي يتغير منطق النظام الدولي؟ أم أن الأمر يتطلب تحولا أعمق في الفلسفة التي تنظّم العلاقة بين الإنسان والقوة والمعنى؟

وعليه فإن الخلاص الحقيقي للشعوب المظلومة لا يكمن في انتظار تبدّل موازين القوى داخل المنظومة ذاتها، بل في بلورة مشروع نهضوي إنساني نقيض يعيد تأسيس العلاقة بين القوة والمعنى، ويرتكز على مركزية الإنسان وقيمة وجوده، لا على منطق الهيمنة وإدارة العالم كأداة.

فالأمم التي تنتظر خلاصها من تحولات القوة في الخارج، غالبا ما تجد نفسها مجرد موضوع في صراع القوى الكبرى، لا فاعلا في صياغة التاريخ. أما الأمم التي تعيد بناء رؤيتها للإنسان وللعالم وللمعنى، فهي وحدها القادرة على تحويل التحولات الدولية إلى فرصة تاريخية للنهوض.

لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه فلسطين والعرب وجنوب العالم اليوم ليس: من سيقود العالم في العقود القادمة؟ بل أي مشروع حضاري نمتلكه نحن لكي نكون جزءا من صناعة العالم القادم، لا مجرد ساحة تُفرض عليها نتائج صراعات الآخرين.

المصدر / فلسطين أون لاين