لم يكن أحمد موسى أبو سليم يتخيّل أن أول الطريق إلى الشباب سينتهي عند سريرٍ أبيض في غرفة عمليات، وأن الخطوات الواثقة التي كان يخطوها فجرًا داخل مزرعة دواجن شرق مخيم البريج، ستتوقف عند حدّ بترٍ فوق الركبة. بين حلمٍ بسيط بحياةٍ كريمة، وقذيفةٍ أنهت كل شيء في لحظة، بدأت حكاية شابٍ وجد نفسه فجأة أمام معركةٍ جديدة عنوانها: كيف يبدأ من جديد؟
في السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2023، كان أحمد يعمل كعادته داخل المزرعة المتواضعة. مع اقتراب أصوات القصف، قرر مع زملائه مغادرة المكان بسيارة مدنية، بحثًا عن ملاذٍ أكثر أمانًا. لكن السماء كانت ترصدهم. حلّقت طائرة استطلاع في الأجواء، وأعقبها إطلاق قذيفة مباشرة أصابت السيارة. خلال لحظات، تحوّل الطريق إلى كتلة نار وحديد.
تعذر وصول سيارات الإسعاف بفعل استمرار القصف، فنُقل المصابون بسيارة مدنية إلى المستشفى. هناك، بدأت الساعات الأصعب في حياة العائلة.
يقول والده، موسى، مستعيدًا تلك اللحظات لصحيفة "فلسطين": “لم أعلم بإصابته إلا بعدما وصل إلى المستشفى. عندما رأيته فاقدًا للوعي، والدم يغطي جسده، أدركت أن الأمر أخطر مما توقعت. نسبة دمه وصلت إلى 3 بسبب النزيف، وكانت ساقه ممزقة بشكل شبه كامل. أخبرني طبيب الطوارئ أن وضعه حرج جدًا، حتى إنهم ظنوه في عداد الشهداء”.
دخل أحمد غرفة العمليات على وجه السرعة، ونُقلت إليه وحدات دم عدة. ظل معلقًا بين الحياة والموت لساعات طويلة، قبل أن يخرج بقرارٍ طبي يقضي ببتر ساقه من أعلى الفخذ لإنقاذ حياته. مكث شهرين في المستشفى، متنقلًا بين العناية المركزة وأقسام الجراحة.
وعن لحظة استيقاظه الأولى، يقول أحمد: “لم أشعر بشيء لحظة الإصابة. عندما فتحت عيني، عرفت أن قدمي بُترت. لم أستوعب الأمر. تمنيت لو أنني استشهدت، كان ذلك أهون عليّ من أن أعيش مبتور الساق”.
كانت الصدمة قاسية على شاب اعتاد العمل والحركة. فجأة، وجد نفسه عاجزًا عن الوقوف، ينظر إلى جسده الذي تغيّر إلى الأبد.
بعد استقرار حالته، سافر أحمد إلى مصر لاستكمال العلاج. أمضى هناك عامين، خضع خلالهما لمحاولات تأهيل وتركيب طرف صناعي، إلا أنه لم يحصل على برنامج علاج طبيعي متكامل، ولم يتمكن من التكيف مع الطرف المركّب له. ظل الألم الجسدي والنفسي يرافقه، فيما كانت أحلامه معلقة بفرصة علاج أفضل تمنحه قدرة حقيقية على الحركة.
قبل أيام قليلة، عاد أحمد إلى غزة على كرسي متحرك، دون تحسن يُذكر في حالته الصحية، لكنه عاد بقلبٍ مثقل بالشوق. عاد إلى وطن فقد فيه منزله، وإلى خيمة تؤوي أسرته المكوّنة من 13 فردًا. لا جدران تحميهم من حر الصيف أو برد الشتاء، لكن ثمة دفء عائلي يخفف وطأة الفقد.
يقول والده: “كنا ننتظر فتح معبر رفح لنعود إلى غزة، لنقضي رمضان بين أهلنا، حتى لو تغير كل شيء. الغربة كانت قاسية، لكن الحياة هنا أيضًا صعبة”.
فالأب الذي كان يعمل في البناء قبل الحرب، فقد مصدر رزقه مع توقف مشاريع الإعمار وإغلاق المعابر. لم يعد قادرًا على تأمين احتياجات الأسرة كما كان، خاصة بعد أن كان أحمد يسانده بدخله المتواضع من عمله في المزرعة.
اليوم، يجلس أحمد أمام خيمته، يتابع المارة وأطفال المخيم وهم يركضون بأقدامٍ سليمة. في عينيه حزن واضح، لكنه لا يخلو من بريق تحدٍ. لم يعد مجرد شاب فقد ساقه في الحرب، بل صار شاهدًا حيًا على قصة فقدٍ وصمودٍ في آنٍ واحد.
حياته توقفت عند لحظة انفجار، لكنها لم تنتهِ. بين كرسي متحرك وخيمة فقدت جدران البيت، يتمسك أحمد بحلمٍ بسيط: أن يحصل يومًا على طرف صناعي ملائم وتأهيل حقيقي، ليقف من جديد، ويخطو خطوةً أخرى في طريقٍ بدأه مبكرًا، قبل أن تعترضه الحرب.